من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

تركيا وإسرائيل، هل تبدأ معركة الشرق الأوسط من سوريا؟

د.ميساء المصري
تركيا وإسرائيل، هل تبدأ معركة الشرق الأوسط من سوريا؟


منذ عام 1979، دخل الشرق الأوسط مساراً متواصلاً من التحولات البنيوية، الثورة الإيرانية، والحروب العربية–الإسرائيلية، والغزو العراقي للكويت، وحرب العراق، وصعود القوى الإقليمية، ثم موجات الانتفاضات والصراعات، وصولاً إلى التحولات الراهنة. ومن هنا كيف سيتم صياعة الشرق الأوسط بشكله الجديد، ومن سيمتلك القدرة على التأثير في نظامه الإقليمي حتى عام 2030.

المؤشرات لا تعني بالضرورة أننا أمام شرق أوسط ما بعد أمريكي، لكنها تشير بوضوح ربما إلى شرق أوسط أقل أمريكيةً وأكثر تعدديةً. فالولايات المتحدة ما تزال القوة الأكثر تأثيراً عسكرياً وسياسياً، لكنها لم تعد قادرة وحدها على هندسة الإقليم كما فعلت في مراحل سابقة. وفي المقابل، تتحرك تركيا وإيران وإسرائيل ودول الخليج ومصر وغيرها لإعادة تعريف مواقعها وفق مصالحها الوطنية.

تتصاعد التوترات الجيوسياسية وتأتي تركيا كلاعب يسعى إلى توسيع هامش المناورة. فأنقرة تدرك خصوصية العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، ولذلك تتجنب، رغم خطابها الحاد تجاه إسرائيل، الذهاب إلى مواجهة مباشرة معها. ما تفعله أقرب إلى إدارة صراع النفوذ عبر الضغط السياسي والرسائل الإعلامية، واستخدام العلاقة مع واشنطن، وتعزيز الحضور في سوريا، ومحاولة رسم حدود للحركة الإسرائيلية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

وهنا تصبح سوريا إحدى أهم ساحات اختبار التوازن الجديد. فاستقرارها وإعادة بناء مؤسساتها وجيشها، وتطور العلاقة التركية–السورية، كلها عوامل قد تنتج واقعاً استراتيجياً جديداً على الحدود الشمالية لإسرائيل. ولذلك فإن التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا ليس مجرد خلاف تكتيكي، بل قد يتحول إلى صراع على شكل النظام الإقليمي نفسه.

ربما السيناريو الأكثر واقعية بالنسبة لتركيا إبقاء المواجهة المباشرة مؤجلة. فأنقرة تريد استثمار الفراغ الذي خلفته الصراعات الإقليمية، وتحويل نفوذها المتنامي إلى مكاسب سياسية واقتصادية طويلة المدى.

وفي المقابل، تواجه إسرائيل مجموعة متزايدة من المخاطر الآن، إيران، التحولات الديموغرافية، الانقسامات الداخلية، تنامي العزلة الدولية، احتمالات اتساع جبهات الصراع، وتراجع الثقة بقدرتها على تحقيق الأمن الكامل بالقوة وحدها. وهذه المخاطر لا تعني انهيار إسرائيل، لكنها تفرض عليها إعادة تعريف مفهوم أمنها وحدود قدرتها على إدارة الإقليم.

أما عربياً، فإن الخطر الأكبر يتمثل في التشتت الاستراتيجي. المنطقة تتجه نحو تعدد المعسكرات ومراكز القوة، فيما تتباين مصالح الدول العربية بين السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن وغيرها. وإذا استمر هذا التنافس من دون إطار عربي أوسع للمصالح المشتركة، فإن القوى الإقليمية والدولية ستبقى الأكثر قدرة على تحديد قواعد اللعبة.

المشكلة الأعمق ليست عسكرية فقط، فالشرق الأوسط يعاني ضعفاً استراتيجيا وارتفاعاً في الإنفاق العسكري، وأزمات اقتصادية واجتماعية، وتراجعاً في التنمية السياسية، واختراقاً خارجياً واسعاً. 

حتى عام 2030، تبدو المنطقة أمام ثلاثة مسارات، استمرار إدارة الأزمات، أو بناء توازنات إقليمية جديدة، أو الانتقال إلى نظام متعدد المراكز تتراجع فيه الهيمنة الأمريكية النسبية من دون أن تختفي.

والخلاصة أن الشرق الأوسط لا يتجه ببساطة إلى ما بعد أمريكا، بل إلى شرق أوسط لا تستطيع أمريكا وحدها أن تحكم قواعده. وفي هذا التحول ستكون الدول التي تمتلك رؤية وطنية واقتصاداً قوياً ومؤسسات متماسكة هي الأقدر على صناعة المستقبل.

فالمرحلة المقبلة تنتظر من يمتلك القدرة على صناعة التغيير.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10741
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.