من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

حين يغيب العالم: ذات تتأرجح بين الفراغ والحلم

أحمد رجب شلتوت
حين يغيب العالم: ذات تتأرجح بين الفراغ والحلم




   في إحدى قصص المجموعة تختار "فاطمة الشريف" عنوانًا لافتًا هو "حين يغيب العالم لحظة"، غير أنها حين منحت هذا العنوان للمجموعة كلها حذفت كلمة لحظة. يكشف الحذف عن رؤية العمل بأكمله. ففي القصة يغيب العالم لحظة عابرة تسمح للشخصية بأن ترى ذاتها أو أن تختبر انفعالًا استثنائيًا، أما في المجموعة فإن العالم يغيب بلا قيد زمني، وكأن شخصياتها تعيش أصلًا في حالة انفصال مزمن عن الواقع، أو في منطقة وسطى بين الحضور والغياب، بين الحلم واليقظة، لذلك تبدو معظم النصوص وكأنها تنتمي إلى جغرافيا داخلية أكثر من انتمائها إلى جغرافيا واقعية.

  الغياب بطلا

   إن البطل الخفي الذي يوحد نصوص المجموعة هو الغياب، سواء غياب الحبيب، أو الشعور بالأمان، أو اليقين، أو حتى غياب الذات، ففي قصة "الشارع المطل على بيتها" يصبح الشارع مجرد وسيلة لاستعادة ما فُقد. الشخصية لا تسير في شارع حقيقي، لكنها تستعيد المدن والوجوه والروائح، ثم تحاول في النهاية عبور المكان متحررة من سطوة الذكرى.

   وفي نصوص أخرى مثل "تراتيل الغياب" يتجسد الغياب بصورة أكثر قسوة؛ فالشخصيات تعيش انتظارًا دائمًا لشيء لا يأتي. حتى عندما يكون الحبيب حاضرًا، يظل هناك شعور عميق بالنقص والفراغ، ومن هنا تتكرر مفردات مثل: الفراغ، الوحدة، الانتظار، الحزن، الشوق، الصمت، هذا الحضور الكثيف للغياب يمنح المجموعة وحدتها الشعورية، ويجعل القصص المختلفة تبدو وكأنها فصول متعددة لرواية داخلية واحدة.

الحب المستحيل

  الحب هو الموضوع الأكثر حضورًا في المجموعة، لكنه ليس حبًا متحققًا أو مستقراً، في قصة "إشارات تلوح لي"، تعيش البطلة تجربة حب غريبة تبدأ عبر الأحلام، تتلقى إشارات عاطفية من شخص يدعى عمر، ثم تكتشف في الواقع شخصًا يشبهه، فيختلط الحلم بالحقيقة. هكذا يولد الحب معرفة فعلية، من توق داخلي سابق على الواقع نفسه.

   وفي نصوص أخرى يصبح الحبيب مجرد صوت أو رسالة أو صورة، لا نرى الحبيب مباشرة، بل نرى أثره فقط: الرسائل، الانتظار، الكلمات القليلة التي تتحول إلى عالم كامل من المشاعر، والحب في هذه المجموعة تحتاجه الشخصيات لكنها تدرك أنه مصدر ألمها، فيصبح نوعًا من النقص الدائم لا الاكتمال.

    أيضا تتجاوز بعض القصص البعد العاطفي إلى تأملات فلسفية واضحة، فمثلا تستدعي الكاتبة

في قصة "رأسي أكبر من جسدي" شخصية زرادشت كما كتبها نيتشة، وتدخل معها في حوار طويل حول الحرية والخوف والوحدة والحب، مما يوسع أفق النص من التجربة الفردية إلى السؤال الإنساني العام. فالشخصية لا تبحث عن حبيب فقط، بل تبحث عن معنى للحياة نفسها، وتتكرر هذه النزعة التأملية في عدد من النصوص التي تتساءل عن العمر والزمن والموت والخسارة.

الوحدة والفراغ 

 تظهر الوحدة في المجموعة كحالة وجودية، ففي قصة "رأسي أكبر من جسدي" يتحول الحوار مع الصوت الآخر إلى تجسيد للانقسام الداخلي، فالشخصية تتجادل مع نفسها، تراجع أفكارها ومخاوفها.



أما في "بين يديه" فيتخذ الفراغ صورة أكثر تعقيدًا؛ إذ يتحول إلى كائن يكاد يكون حقيقيًا، يملأ حياة الشخصية ويستحوذ عليها حتى تصبح العلاقة معه علاقة حب وكراهية في ذات الوقت، وتنتهي القصة بشكل مأساوي يبين أن الصراع كان في جوهره صراعًا مع الذات، هنا تنجح الكاتبة في تحويل الشعور النفسي إلى مادة سردية.

منطق الحلم 

    تتميز المجموعة باعتمادها على منطق الحلم، فالأحداث لا تخضع دائمًا للتسلسل الواقعي، بقدر ما تتحرك وفق تداعيات الوعي واللاوعي. في "موجة لا تعود للبحر" يتحول الغرق إلى رحلة تعيد البطل إلى ما قبل الولادة، فيتماهى البحر مع الرحم، والموت مع الميلاد، والعودة مع البداية الأولى.

    وفي "عتمة ونور" تتداخل شخصية الفنان مع شخصية فان جوخ، ويضيع الحد الفاصل بين الواقع والخيال، وبين الزمن الحاضر والزمن المتخيل، نفس الأمر نجده في "إشارات تلوح لي"، فالكاتبة تستخدم هذا الميل إلى الحلم كوسيلة لاكتشاف أعماق النفس، فالأحلام في المجموعة ليست هروبًا من الواقع، ولكنها طريقة أخرى لقراءته.

  حضور الجسد 

    تتعامل القاصة مع الجسد باعتباره جزءًا من الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والحرية، لذلك تطرح موضوعات شائكة تتعلق بالرغبة والتحولات النفسية والجنسية، وذلك من منظور إنساني يتجنب الأحكام الأخلاقية المباشرة، وفي بعض القصص يتحول الجسد إلى مساحة للصراع مع المجتمع أو مع الذات، بما يكشف عن حساسية الكاتبة تجاه المناطق المسكوت عنها في التجربة الإنسانية، كما في قصة "الجرح الذي يصدر صوتًا" تطرح الكاتبة قضية فحص العذرية، وتكشف العنف النفسي الواقع على المرأة، وفي نصوص أخرى يظهر الجسد باعتباره وسيلة لاكتشاف الهوية والرغبة، كما في بعض المقاطع التي تتناول التحولات الجنسية والنفسية في مرحلة المراهقة.

الحب الرقمي

    في قصة «وااااااو» تلتفت الكاتبة إلى عالم التواصل الاجتماعي كفضاء جديد للعلاقات الإنسانية،

 فيتشكل الحوار من تعليقات ومنشورات وتفاعلات، بينما تتحول المشاعر إلى إشعارات وإعجابات ورموز تعبيرية. يكشف النص هشاشة العالم الافتراضي؛ فالعلاقات الرقمية تبدو سريعة وعابرة، والوجوه الحقيقية تختفي خلف الأسماء المستعارة، وهكذا يعود موضوع الغياب مرة أخرى، لكن بصيغة معاصرة.

بين الشعر والسرد

  تكتب "فاطمة الشريف" بلغة مشبعة بالشاعرية والصور والاستعارات، يتحول البحر إلى رحم، والشارع إلى ذاكرة، والفراغ إلى كائن حي، والصوت إلى رفيق دائم، هذه اللغة تمنح النصوص جماليتها الخاصة، لكنها تقترب أحيانا من قصيدة النثر حتى تكاد تضعف الحدث القصصي. فثمة نصوص تعتمد على التدفق الشعوري أكثر من اعتمادها على البناء الحكائي.

تعدد الأصوات والضمائر

   تميل الكاتبة إلى تنويع وجهات النظر والضمائر السردية، فأحيانًا تخاطب الشخصية نفسها بصيغة المخاطب، وأحيانًا تتحدث بصيغة المتكلم، وأحيانًا يتحول السرد إلى حوار داخلي أو مونولوج طويل. كما نجد قصصًا تُروى من وجهة نظر أشياء أو كائنات غير بشرية، هذا التنوع يمنح النصوص حيوية، ويعكس انشغال الكاتبة بفكرة تعدد الذوات داخل الإنسان الواحد.

   وأخيرا تكشف مجموعة "حين يغيب العالم" عن صوت سردي يميل إلى استكشاف الداخل الإنساني أكثر من اهتمامه برصد الخارج، ففي عالم يزداد صخبًا، تختار "فاطمة الشريف" أن تنصت إلى صوت الداخل؛ إلى الفراغات الصغيرة التي لا يراها أحد، وإلى الأصوات الخافتة التي تتكلم حين يغيب العالم،

لهذا تبدو المجموعة، في جوهرها، رحلة طويلة داخل النفس البشرية، حيث يكون الغياب الطريق الوحيد للحضور.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10742
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.