"لا أرسم للدجاج".. حكاية بيكاسو مع لوحة "المرأة الباكية" التي حوّلت الألم الإنساني إلى خلود فني
يُروى أن رجلًا وقف أمام بابلو بيكاسو ذات يوم، وقال له بنبرة استخفاف: "يبدو أنك لا تعرف من فن الرسم سوى هذه الخطوط والألوان المتداخلة".
لم يجادل بيكاسو، بل أمسك ريشته ورسم على الأرض حبة قمح، بدت من الواقعية أن إحدى الدجاجات القريبة اندفعت نحوها محاولةً التقاطها.
عاد الرجل مندهشًا يسأله: لماذا إذن تصر على رسم لوحاتك الغريبة غير المفهومة، وأنت قادر على صنع هذا الإتقان المذهل؟ فأجاب بيكاسو بهدوء: "لأنني في الحقيقة لا أرسم للدجاج".
هذه الحكاية، التي تُروى كثيرًا في الأوساط الفنية دون إسناد موثق إلى مصدر أول، تلخّص فلسفة بيكاسو في الرسم: أنه لم يكن يسعى إلى محاكاة الواقع بقدر ما كان يسعى إلى التعبير عن جوهر أعمق منه، لا يُدرك بالعين المجردة ولا توجد لوحة تجسّد هذه الفلسفة بقدر ما تجسدها لوحته الشهيرة "المرأة الباكية".
لوحة وُلدت من رحم مأساة غيرنيكا
رسم بيكاسو "المرأة الباكية" (بالفرنسية: La Femme qui pleure) في أكتوبر 1937، بالزيت على قماش، وبأبعاد صغيرة نسبيًا لا تتجاوز 60.8 × 50 سنتيمترًا. وهي ليست عملًا منفردًا، بل آخر وأشهر لوحة ضمن سلسلة من نحو 60 عملًا بين لوحات ورسوم ودراسات تحضيرية أنجزها بيكاسو خلال أشهر قليلة من العام نفسه.
وتعود جذور هذه السلسلة إلى لوحته الأشهر على الإطلاق "غيرنيكا"، التي رسمها بيكاسو احتجاجًا على قصف الطيران الألماني والإيطالي، المتحالف مع قوات فرانكو، لبلدة غيرنيكا الباسكية في 26 أبريل 1937 خلال الحرب الأهلية الإسبانية.
وفي أقصى يسار لوحة "غيرنيكا" تظهر أم تصرخ وهي تحمل طفلها الميت بين ذراعيها؛ هذه الشخصية بالذات استحوذت على تفكير بيكاسو، فكتب عنها عشرات الدراسات والتنويعات بين يونيو وأكتوبر من العام ذاته، كان "المرأة الباكية" ذروتها وخاتمتها.
ولهذا العمل أيضًا جذور شخصية إسبانية عميقة؛ إذ كتبت والدة بيكاسو إليه من برشلونة في مايو 1937 تصف كيف جعل الدخان المتصاعد من المدينة المحترقة أثناء القتال عينيها تدمعان.
كما أن صورة "أم الأحزان" الباكية تقليد راسخ في الفن الإسباني الديني، غالبًا ما تُجسَّد في تماثيل باروكية بدموع من زجاج، وهو ما صنع والد بيكاسو نفسه نسخة منه لبيت العائلة.
دورا مار.. الوجه الحقيقي خلف القناع المكسور
النموذج الذي استلهم منه بيكاسو ملامح "المرأة الباكية" هو دورا مار (1907-1997)، المصورة والرسامة الفرنسية-الكرواتية التي كانت شريكته وملهمته بين عامي 1936 و1943.
لم تكن مار مجرد عارضة صامتة، بل كانت شخصية فنية وسياسية قائمة بذاتها؛ فقد كانت مصورة سيريالية محترفة حين التقاها بيكاسو، وهي التي وثّقت بكاميرتها مراحل رسم لوحة "غيرنيكا" أولًا بأول في مرسمه بباريس، بل ويُرجَّح أن اهتمامها السياسي هو ما لفت انتباه بيكاسو أصلًا إلى مأساة القصف.
وقد ترك بيكاسو نفسه شهادة دالة على ارتباط هذه السلسلة بمار، إذ قال في تصريح موثق: إنها كانت بالنسبة له دائمًا "المرأة الباكية"، وإنه تمكن يومًا من رسمها على هذا النحو، مضيفًا عبارته المثيرة للجدل بأن "النساء كائنات تعاني"، وأنه بذلك قد اهتدى إلى موضوعه، تمامًا كما اهتدى إلى موضوع "غيرنيكا". كما نقلت عنه فرانسواز جيلو، شريكته اللاحقة، وصفه لهذه اللوحات بأنه ظل لسنوات يرسم مار "في أشكال معذَّبة"، لا سادية ولا استمتاعًا، بل استجابة لرؤية فرضت نفسها عليه.
جدير بالذكر أن علاقة بيكاسو بمار، رغم قيمتها الإنسانية المشترك، لم تخلُ من جانب مؤلم؛ إذ تشير مصادر تاريخية إلى تعرّض مار لعنف جسدي في هذه العلاقة، وهو فاقم لاحقًا في انهيارها النفسي.
وظلت مار لعقود تُختزل إعلاميًا في لقب "امرأة بيكاسو الباكية"، رغم أنها كانت رسامة وشاعرة وناشطة يسارية، ولم يحظَ إرثها الفني المستقل بالتقدير الكافي إلا في العقود الأخيرة.
القيمة الفنية والتاريخية
تنتمي لوحة "المرأة الباكية" إلى المدرسة التكعيبية التي كان بيكاسو أحد روادها ومؤسسيها، لكنها تحمل بصمة تعبيرية حادة تتجاوز التكعيبية التقليدية نحو ما يقترب من السريالية العاطفية؛ فالوجه المتشظي إلى مستويات هندسية متقاطعة، والألوان الصفراء الحادة والخضراء الكهربائية والبنفسجية القاتمة، والمنديل الذي يعض عليه الفم المتشقق، كلها عناصر تحوّل الحزن الفردي إلى رمز إنساني كوني للمعاناة والفقد.
آلت اللوحة إلى مقتنيات متحف"تيت مودرن" في لندن عام 1987، حين قُبلت من الحكومة البريطانية كجزء من تسوية ضريبة تركة، بمساعدة من صندوق التراث الوطني وصندوق الفنون وأصدقاء متحف تيت، وهي اليوم من أكثر الأعمال جاذبية لدى زوار المتحف.
حين لا يرسم الفنان لجمهور "الدجاج"
تكتسب حكاية "حبة القمح" التي استُهلّ بها هذا التقرير معناها الكامل حين توضع إلى جانب لوحة بمكانة "المرأة الباكية"؛ فبيكاسو، القادر بلا شك على الرسم الواقعي المتقن، اختار عن وعي أن يكسر الوجه، ويفكك الملامح، ويعيد بناءها بلغة تجريدية موجعة، لأن الواقعية المجردة كانت عاجزة عن نقل حجم الألم الذي أراد التعبير عنه: ألم امرأة، وألم أمة تُقصف، وألم إنساني عابر للزمان والمكان. لم يكن بيكاسو يرسم "ليخدع الدجاج"، بل ليخاطب فينا القدرة على رؤية ما هو أبعد من الشكل الظاهري للأشياء.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك