الصفحة الخامسة عشرة د. عوض الغباري.. ناقدٌ يفسح المجال للنص وللإنسان
في أول لقاء جمعني به، على منصة مناقشة مجموعة قصصية، أصرّ الدكتور عوض الغباري، بمنتهى اللطف، على أن أبدأ بالكلام قبله. هو الأستاذ المخضرم، لكنه رأى أن الكلمة تحتاج إلى من يمنحها مساحة، وليست إلى من يحتكرها. في تلك اللحظة، لم أكن أمام أستاذ جامعي يؤدي واجبه، بل كنت أمام ناقد يفسح المجال.
هكذا تعرفت إلى الدكتور عوض الغباري. لكن هذا المشهد، على دلالته، لم يكن سوى مدخل لفهم رجل أعمق وأغنى.
فعوض الغباري ليس ناقدًا يظهر فجأة في الصالونات والملتقيات. إنه أستاذ الأدب العربي ونقده بجامعة القاهرة، قضى أكثر من أربعة عقود في رحاب البحث والتدريس. تخصصه الدقيق هو أدب مصر الإسلامية؛ ذلك الحقل الذي لا يكتفي بدراسة النصوص، بل يربط بين الأدب والتاريخ والهوية.

وقد تنوعت مؤلفاته، التي تجاوزت الأربعين كتابً، لتشمل الدراسات الأدبية، والنقد، وتحقيق التراث، وأدب الرحلة، والتصوف الإسلامي. ومن أبرزها في مجال السيرة الذانية والأدب الحكائي النقدي كتاب "في ظلال الحياة"، وهو سيرة ذاتية موسوعية صدرت عام 2024، وثّق فيها رحلته ومقارباته التقابلية بين مصر واليابان.
ترأس قسم اللغة العربية، وأدار مركز جامعة القاهرة للغة والثقافة العربية، وأشرف على أجيال من الباحثين في مصر واليابان، حيث عمل أستاذًا زائرًا في جامعة أوساكا. ونال عددًا من الجوائز الرفيعة، من بينها جائزة التفوق العلمي، وجائزة طه حسين، وجائزة عبد العزيز الأهواني.
رجل بنى نفسه في قاعات الدرس والمكتبات قبل أن يبني حضوره في المشهد الثقافي العام.
واللافت أنك لا تشعر بفصام بين الرجلين: الأكاديمي المتخصص في أدب مصر الإسلامية، والناقد الذي يقرأ مجموعة قصصية لكاتب معاصر. كأن البحث في التراث منحه أدوات يطبقها على الحديث، وكأن قراءة الحديث تمنحه حيوية يعيد بها النظر في التراث. هذه الدائرة المتصلة بين القديم والجديد هي أحد أسرار قوته. ولعل تخصصه في أدب مصر تحديداً هو ما منحه هذه الرؤية؛ فهو يقرأ نصوصها بعين الباحث عن هوية وجمع، لا عن قطيعة وتفكيك.
وثمة شيء آخر.
عندما تراقبه في ندوة، تدرك أن النقد عنده ليس تفكيكًا ولا هدمًا ولا استعراضًا للعضلات المعرفية. إنه فعل فهم. يحمل النص كما يحمل طائرًا بين يديه: برفق، وخشية أن يكسره، وبرغبة في أن يطير لا أن يُحبس. يسأل النص ولا يستجوبه. يتأمله ولا يحاصره. يبحث فيه عن الجوهر لا عن الثغرات.
وهذا تحديدًا هو ما يجعل الكُتّاب يرتاحون إليه؛ لأنهم يشعرون أن الرجل لا يريد أن ينتصر عليهم، بل أن يفهمهم.
وهذا المنهج، في زمان كثر فيه النقد الذي يقتل النص ليشرّحه، يكاد يكون استثناءً. ويتجلى هذا المنهج في كتابه «الأدب المصري»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، والذي يتتبع مسار الأدب المصري من الفتح الإسلامي إلى العصر العثماني، حيث يختار نماذجه الشعرية بعناية، من ابن وكيع التِّنِيسي إلى ابن الفارض والبوصيري. وهو الكتاب الذي يفتتحه الغباري بتأكيد أن "العلم العربي هو الذي قدم لأوروبا ما استعانت به على انتقالها من التخلف إلى التقدم"، في موقف يعيد للتراث المصري اعتباره. وقد أشادت بعض القراءات النقدية للكتاب بمنهجه في اختيار الشعراء والأدباء، وبأسلوبه في انتقاء النماذج والنصوص التي تمثل فنونهم، معتبرة أن هذا الاختيار يقوم على رؤية نقدية واعية ومنهج مستنير. ولعل هذا ما يفسر أيضًا طبيعة رؤيته النقدية التي تميل إلى إبراز عناصر الاتصال أكثر من عناصر القطيعة.
غير أن هذا المنحى التصالحي قد يجعله أحيانًا يميل إلى إبراز وحدة المشهد الأدبي أكثر من الوقوف عند بعض توتراته الداخلية، وهو اختيار نقدي له منطقه وثمرته وحدوده.
لكن اللافت أن هذا المنهج لا يقتصر على علاقته بالنصوص. انظر إلى علاقته بالبشر. في جلسته، وفي إدارته للندوات، وفي تعامله مع الباحثين الشباب، وفي طريقته في إفساح المجال لغيره... تجد الامتداد نفسه.
فالناقد الذي يفسح المجال للنص هو نفسه الأستاذ الذي يفسح المجال للآخر. والأستاذ الذي يبحث عن الجوهر في القصيدة هو نفسه الإنسان الذي يبحث عن الجوهر فيمن حوله.
هذا ليس أدبًا في المجاملة، بل فلسفة حياة. النقد عنده ليس مهنة فحسب، بل موقف من العالم. ومن يفهم هذا، يفهم سر الرجل كله.
وهكذا، لا يكون عوض الغباري مجرد أكاديمي بارز، ولا مجرد ناقد حاضر في المشهد. إنه ظاهرة ثقافية تستحق أن ننظر إليها في زمان يعج بالضجيج: رجل يصنع مساحة للنص، فيفهمه، وللإنسان، فيحتضنه، وللثقافة، فيبنيها لا بهدم غيره، بل بإعلاء من حوله.
وفي النهاية، لا نحتاج مع عوض الغباري إلى التوقف عند كتاب بعينه، أو نظرية يتبناها. سنتذكر شيئاً واحداً: ذلك الشعور الذي يتركه فيمن يقرأ له أو يجالسه. شعور أن الكلمة ليست سيفاً يُقطع به، بل جسراً يُعبر عليه. وأن النقد ليس حكماً، بل حواراً. وأن الأستاذ الحقيقي هو من تغادر مجلسه وأنت أكثر قدرة على الكلام مما كنت قبل أن تبدأ. هذا هو الغباري. ليس لأنه أستاذ، بل لأنه إنسان يتسع للآخر.
في المرة القادمة، بمشيئة الرحمن، سنلتقي بمبدع جديد من كنوز أرض الكنانة… فمن سيكون؟
تابعونا في سلسلة #مبدعو_أرض_الكنانة
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك