حكايات ليلى حسين
تقول ليلى والدموع تملأ عينيها :
تعالت الأصوات في ذلك البيت الذي لم يمنحني الحب يوماً ، فموت الأب أخذ معه كل لمسات الحب والحنان ، كل ما هنالك أخ أكبر متسلط جبار ، وأم اخذتها الوظيفة لتأمين القوت لأولادها ، وكان أكبر همها تأمين المأكل والملبس ، إذ نسيت مع كبر همها ومسؤولياتها أنها أم وقد إرتدت قناع الرجولة لكثرة الطامعين حولها ....
تعالت أصواتهما معاً ، غضباً وقهراً من أمي لظلم إبنتها الصغيرة ولا أقول المدللة ، فقد كنت أصغر إخوتي سناً ، لكن لم يكن هناك ما يميزني لصغر سني سوى نظرات الشفقة الدائمة لولادتي يتيمة الأب ، ولهدوئي وخوفي المتناهي من أخي ...
وصيحات أخي غضباً وتهديداً ووعيداً ،كان أكبر ما يهيأ له أن يشتمني أو يضربني أما أن يطردني ويغلق الباب فهذه ليست من شيم الرجال ....
أقسم أغلظ الأيمان أن لا أعود إن عدت أصلا إلى بعد سنة كاملة ، وقد كان فعلاً عدت لمقاعد الدراسة وعاد الأمل الكاذب لفترة وجيزة ، وقد إجتزت إمتحانات الثانوية العامة بنجاح بل وتفوق على كل من كان معي من طالبات فاتهن العام مثلي إما بسبب الزواج أو الرسوب ....
إنتهت الإمتحانات وإنتهي العام وقد أنجبت مولودي الأول في بيت أهلي ، هنا عادت الخلافات بين أهلي بسبب دراستي الجامعية فلا أمي رحمها الله مستعدة لذلك مع أن أصغر مأدبة للغداء أو العشاء كان يكلف مادياً اكثر من تكلفة عامٍ في الجامعة ..
ولا أخي لأنه لم يحمل مسؤولية قط في حياته وعادت أمالي لتتحطم من جديد على صخرة الواقع الأليم ...
مر ذلك العام بطوله رتيباً كما هي حياة الأهل دوماً لا شيء جديد ، كل ما هنالك بعض المشاريع التي تقوم بها الأم والمضافة المفتوحة لكل عابرٍ وجارٍ وقريب ، إلى أن حكم القدر مرة أخرى بالعودة لبيت الزوجية ، بعد وفاة شقيق زوجي الأكبر ، وكان لا بد من تواجد إخوتي بحكم القرابة وتدخل كبار العائلة إذ لا يجوز إمتداد خلاف بسيط لأكثر من عام ....
عدت إلى ذلك البيت الخالي أيضاً من أي مظاهر للحب أو الدلال ، كل ما هنالك أني قررت كبت كل مشاعري وأن أكرس كل وقتي لطفلتي وبيتي وان لا أدخل أي نقاش أو أمارس أي إعتراض مهما كابدت من عناء جسمي أو نفسي في هذه الحياة ....
مرت السنوات رتيبة مملة ، ولا شيء يسليني إلا أطفالي الذين صاروا أربعة ، وبعضاً من هوايات أمارسها حين أجد وقتاً لذلك ، فقد كانت أعز هواياتي القراءة ، وكنت أملك بعضاً من الروايات والكتب كنت قد إقتنيتها في أيام المدرسة ، كنت بحكم السن الصغيرة مولعة بقصص العشق والغرام ، وروايات احسان عبد القدوس وكنت قد إقتنيت الثلاثية وكلما أنهيتها أعيد قرائتها ، دعاء الكروان ، قصة الحرام الذي كتبها يوسف السباعي وتحولت لفيلم لفاتن حمامة ، رواية الأيام كانت من ضمن مقتنياتي والعبقريات بحكم الدراسة ، والكثير من المجلات الرومانسية ....
وكنت شغوفة جدا بهواية التطريز ، أمسك بعض القطع التي تكلفني أمي بحياكتها وقد أتقنت تلك الحرفة من صغري ، إذ من أساسيات التراث الفلسطينية أن تتعلم الأنثى حرفة التطريز ، وشغل السنارة والصوف ، ما أصبح يسمى اليوم بفن الكروشيه والذي برعت فيه أيضاً ، ولا زلت أمارسه ليومي هذا ...
كنا نقتني جهاز التسجيل والكثير من أشرطة الكاسيت التي إعتدت سماعها في بيت أهلي فلقد كان صوت أم كلثوم لا ينقطع ، وكانت أغانيها الشهيرة تتردد على أسماعنا ليلا نهارا ، أروح لمين الاطلال للصبر حدود شمس الأصيل ثورة الشك ، اغار من نسمة الجنوب والكثير الكثير من أغانيها رغم أن مزاجي اتجه نحو أغاني عبد الحليم التي تشبع نهم الرومانسية والحب المفقود في حياتي
وكنا نقتني أيضاً جهاز الفيديو فلقد كنت مولعة بالأفلام الهندية تحديدا ، ومن ثم العربية ....
كانت هذه الأشياء هي من تخرجني من حالة الممل والرتابة وتجعلني أحتمل كم الإهمال والإزعاج وتحمل الصراخ والسباب لأتفه الأسباب ، إذ لا خروج للتنزه ولا لمطعم ولا لشراء الحاجيات التي تخص البيت اذ كان يتولى كل ذلك ، فقد كان حب التملك يسيطر على تفكيره حتى في مشترياتي أنا ، فحتى ملابسي يشتريها ويحضرها للبيت ومن المحرمات الإعتراض أو الإنتقاد كل ما هنالك أن المقاس يناسب فقط ...
وبعد سنين طويلة تقارب العشر سنوات أيضاً من التنقل من منطقة لأخرى في مدينة عمان ومن وظيفة لأخرى مرت عليي بهدوء تارة وعواصف وشدة مرات عديدة .
حب السيطرة كان يأخذ منه كل مأخذ حتى التحكم بموعد نومي ، زيارتي لأهلي مرتين في العام ليوم واحد وان إرتكبت تلك الجريمة وأمضيت يومين أمضي شهراً كاملاً من العتاب القاسي والمحاسبة الشديدة ....
حتى تنسيق الأثاث وتوزيعه لم اكن أملك ذلك الحق ، أنت هنا خادمة فقط تطيعين الأوامر وكفى ...
الطبخ كنت بارعة جداً ولا أزال في إعداد الكثير من الأطباق ، فالمطبخ الفلسطيني يعج بكم هائل من الأصناف ، وهذا كان جزأ من المعاناة ، فلا بد من الشجار يومياً على أن الأكل ليس طيباً ، ( شو عملت اليوم شو حطيتي عالأكل ليش هيك طعم الأكل ) كان يقول ....
أمتلأغيظاً أكاد أجن أقسم بالله الأكل الطيب وما في أي سبب لهذا التوتر ، وكان يأكل يأكل بشراهة بشراهة بالغة ، اللهم إلا سبباً للشجار
أمضيت ثلثي عمري معه في المطبخ لا يكتفي بالصنف أو إثنين ، وكنت لا أعترض حتى أثناء الحمل او بعد الولادة بأيام لا يأبه ، يجب أن اصنع الطعام يومياً، وأن أكوي الملابس لمدة اسبوع وأحياناً لشهر كامل ...
كبت الرفض لهذه الفكرة وذلك التحكم والتسلط افضى بي إلى العلاج النفسي لاحقاً
القسوة في كل شيء الضرب للأبناء كان يمزق قلبي ، كان ما يهون عليي تلك القسوة غيابه الطويل اذ كان يستدعي العمل في محل الألبسة المملوك لشقيقه يتطلب منه غياب كل النهار ، بعد ان تنقل لأكثر من عمل دون جدوى ، وكانت الرغبة للعمل أصلاً لديه مفقودة ، وفي معظم الوقت لا نملك قوت اليوم من أعماله البسيطة ، حيث أن لا شهادة ولا وظيفة ثابتة ، ولا يتقن أي مهنة للعمل ..عندما قرر شقيقه أن يعمل لديه ولا يغادر ....مرت تلك السنين وروحي تتهاوى يوماً بعد يوم .....
يتبع
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك