الشاعر الذي أمسك الطَّيف
مقدمة:
الشاعرُ محمّد سعيد دفع الله ينحدرُ من ذاتِ البقاعِ التي أنتمي إليها في شمالِ السودان، تلك الأرضِ التي تتوهّجُ بالشعرِ وتفيضُ بالحنين.
وقد كان اللقاءُ الأوّلُ بيننا في مناسبةِ زواجِه الميمون بالقرير، حيثُ الخُضرةُ الوارفةُ والجمالُ البهيُّ ووجوهُ الحسان، هناك حيثُ معقلُ الطربِ ومنبعُ الشعرِ الخصيب.
ثمّ جمعتنا أقدارُ الغربة، وفيها صدرَ له ديوانُه الشهير "أبو التَّي تَّي"، وهي مفردةٌ ترمزُ إلى ترجيعِ الصدى وترديده، كأنّ شاعرَنا يجعلُ نفوسَ الناسِ تردّدُ نداءَ كلماته كما يُرجِعُ الصخرُ الأصمُّ رجعَ الصوت.
إنّه شاعرٌ عظيمٌ يضعُ بصمتَه اللحنيةَ على قصائده، وكم أطربَ المستمعين بأشعاره في برامجِ الإذاعةِ والتلفزيون منذ أن كان طالباً في المرحلةِ الثانوية، ليغدو شعرُه جزءاً أصيلاً من ذاكرةِ الوجدانِ السوداني.
النص الشعري:
كَيْفَنْ الْقَلِيبْ بِيْطِيبْ مَادَامْ إِنْتَ يَاكَا طَبِيبُو
مَا رَاعَيْتْ جِرَاحُو الْفِيهُو كُلْ مَا يَوْمْ يَزِيدْ فِي صَبِيبُو
مَاضِي الْعِشْرَة أَقُولْ أَنْسَاهُو أَجِرْ ذِكْرَاهُ تَانِي أَجِيبُو
حَاكَمْنِي الْقَلِيبُو يَقُولْ لِي كَيْفْ الزُولْ يِجَافِي حَبِيبُو
يَا قَلْبِي الْحَنِينْ لَا مَتِينْ تِحِبْ نَاسْ لِينْ تَمُوتْ فِي دِرَيبُو
مَا كَفَاكْ الْعَذَابْ الْحَالِي شَرِبْتْ كَتِيرْ كُؤُوسْ تَعْذِيبُو
لِيهْ يِصْبَحْ قَلِيبِي أَلْعُوبَة بَيْنْ إِيدِيكْ تِسَلِّيبُو
وَمِنْ هَلْ الْعَذَابِي أَنَا لِيكِي شَرْعْ الْحُبْ لَدِيكْ يِصِيبُو
وَأَصْبَحْ قَلْبِي كُلُّو جِرَاحْ عَقْلِي يِرُوحْ بَعِيدْ وَيِغِيبُو
لَكِنْ دَا الْقَدَرْ مَكْتُوبْ كُلْ زُولَا نَصِيبُو يِصِيبُو
حَلَفْتَكْ زَبُورْ وَإِسْلَامْ وَتُورَاتْ وَالْمَسِيحْ بِصَلِيبُو
تِسِيبْ تَعْذِيبِي تِسْعِدْنِي نَعُودْ الْمَاضِي تَانِي نَجِيبُو
التأويل:
الطبيب الذي صار جرحاً
"كيفن القليب بيطيب مادام انت ياكا طبيبو"
الحبيب الذي يُفترض أن يكون دواءً صار هو الداء نفسه.
القلب لا يشفى لأنّ طبيبه هو ذاته سبب علّته، فيغدو العشق تناقضاً قاتلاً: دواءٌ يضاعف المرض.
نزيفٌ لا يتوقف
"ماراعيت جراحو الفيهو كل ما يوم يزيد في صبيبو"
الجرح يتسع يوماً بعد يوم، بلا رحمة ولا رعاية.
كأنّ الزمن نفسه صار أداةً لإدامة النزيف، والحبيب يترك القلب يتهاوى في العراء.
ذاكرة لا تموت
"ماضي العشرة اقول انساهو اجر ذكراه تاني اجيبو"
كل محاولة للنسيان تتحطّم أمام طيف الذكرى.
الماضي يعود عنيداً، يفرض نفسه على الحاضر، فيغدو النسيان وهماً لا يتحقق.
محكمة القلب
"حاكمني القليبو يقولي كيف الزول يجافي حبيبو"
القلب هنا ليس مجرد عضو، بل قاضٍ يلوم صاحبه، يحاكمه على الجفاء، ويُذكّره بأنّ الحبّ أقوى من العقل والقرار.
الحنين قدرٌ محتوم
"ياقلبي الحنين لا متين تحب ناس لين تموت في دريبو"
الحنين لا ينتهي، والقلب يظلّ يختار من يُفنيه حبّهم.
العشق هنا ليس اختياراً، بل قدراً يُفضي إلى الفناء.
كؤوس العذاب
"ما كفاك العذاب الحالي شربت كتير كؤوس تعذيبو"
العذاب حاضر، والمرارة قديمة، كؤوس الألم شُربت حتى الثمالة، ومع ذلك لا ينتهي العذاب. الحبّ خمرة مرة لا تنضب.
لعبة بين يديها
"ليه يصبح قليبي العوبة بين ايديك تسليبو"
القلب صار لعبة بين يدي الحبيبة، تعبث به كيف تشاء، بلا رحمة ولا اعتبار.
صورة قاسية تُجسّد الاستسلام الكامل.
شرع الحبّ
"ومن هل العذابي انا ليكي شرع الحب لديك يصيبو"
رغم العذاب، يظلّ القلب خاضعاً لشرع الحب، كأنّ الألم نفسه جزء من طقوس العشق، لا فكاك منه ولا خلاص.
العقل الغائب
"واصبح قلبي كلو جراح عقلي يروح بعيد ويغيبو"
العاطفة ابتلعت الوعي، والقلب غدا جراحاً مفتوحة، والعقل تاه وغاب.
الحب هنا يلغى العقل، ويُبقي الإنسان أسيراً للوجدان.
قدر مكتوب
"لكن دا القدر مكتوب وكل زولا نصيبو يصيبو"
القصيدة تُسلّم بأنّ العذاب مكتوب، وأنّ لكل إنسان نصيبه، ونصيب هذا القلب هو الألم.
الحبّ قدر لا يُردّ.
الرجاء الأخير
"حلفتك زبور واسلام وتورات والمسيح بصليبو"
قسمٌ بكل الكتب والديانات، بكل المقدّسات، أن تترك التعذيب وتعود.
رجاءٌ أخير يائس، يستدعي كل رموز الإيمان ليُلين قلب الحبيبة.
العودة إلى الصفاء
"تسيب تعذيبي تسعدني نعود الماضي تاني نجيبو"
النهاية رجاءٌ أن يتوقّف العذاب، أن يعود الماضي الجميل، أن تُستعاد لحظات الصفاء، ولو كان ذلك حلماً بعيداً.
الخاتمة
هكذا يكتمل النصُّ كرحلةٍ وجدانيّةٍ، حيث يتقاطعُ الحبُّ مع العذاب، والرجاءُ مع اليأس، والقدرُ مع العاطفة.
إنّه نصٌّ حيٌّ، ينهضُ من قلبِ شاعرٍ يكتبُ ويُعطي، ويجعلُ من جراحِه شعراً ومن ألمِه أغنيةً تُضيءُ الوجدان.
وفي الختام، نتوجّهُ بالشكرِ والعرفانِ إلى الشاعرِ محمّد سعيد دفع الله على هذه الأشعارِ الرائعة، وعلى قدرتِه أن يجعلَ من الكلمةِ نافذةً على وجدانٍ لا ينطفئ، وأن يُبقي العشقَ ملحمةً مفتوحةً لا تنتهي.
ونستميحُ شاعرَنا في نشرِ هذه الدراسةِ المتواضعة، علّها تُلامسُ صدىً انعكسَ من كلماته.
مع عاطرِ تحيّاتي للشاعرِ محمّد سعيد دفع الله.
الإسكندريّة ٢٤ أُغسطس ٢٠٢٦م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك