الأفيال تدفن الموتى من البشر
الأفيال.. عالم من الوفاء لا يفرقه إلا الموت: كيف تحزن وتدفن موتاها وربما تعرف "ذاتها"؟
تُصنَّف الأفيال ضمن أكثر الكائنات الحية ارتباطاً ببعضها البعض في العالم الحيواني، إذ تعيش في تجمعات عائلية متماسكة لا يفرق أفرادها سوى الموت أو الصيد أو الأسر. وتكشف دراسات علمية حديثة، إلى جانب مشاهدات ميدانية موثقة من باحثين مختصين، عن سلوكيات معقدة لدى هذه الثدييات الضخمة تتضمن الحزن على الموتى، ودفن الجثث، وربما إدراكاً مبكراً لمفهوم "الذات" لا يشترك فيه سوى عدد محدود جداً من الكائنات.
دفن الموتى.. طقوس تشبه الجنازات البشرية
في دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة "Journal of Threatened Taxa"، وثّق الباحثان بارفين كاسوان وأكاشديب روي خمس حالات دفن لصغار أفيال آسيوية في منطقة البنغال الشمالية بالهند خلال عامي 2022 و2023. ورصد الباحثان أن القطيع كان يحمل جثة الصغير بالخرطوم والأرجل قبل دفنها في الأرض مع بقاء الأرجل موجهة نحو الأعلى، في ما وصفه الباحثون بأنه أول توثيق من نوعه لسلوك دفن كامل لدى الأفيال الآسيوية.
ولفت الباحثون إلى أن هذا السلوك لم يُلاحظ لدى أي كائن آخر غير بشري، وأن القطعان كانت بعد الدفن تتجنب أماكن الدفن وتغيّر مسارات سيرها العادية عبر المزارع، وهو ما فسّره الباحثون كمؤشر على استمرار تأثير الفقد لديها. وأكد فريق البحث أن حالات النفوق كانت جميعها طبيعية، حيث لم تجد الدراسة أي دليل على تدخل بشري مباشر في وفاة أي من الصغار الخمسة.
أما لدى الأفيال الأفريقية، فقد وثّق باحثون سابقون ما يُعرف بـ"الدفن الضعيف"، حيث يقوم أفراد القطيع بتغطية رفاقهم أو أقاربهم المتوفين بالأغصان وأوراق الشجر دون حفر حقيقي، نظراً لطبيعة تربة السافانا التي لا تساعد على الحفر العميق.
الأفيال تحزن على البشر أيضاً
من أكثر المشاهدات إثارة للدهشة في سجلات الباحثين الميدانيين ما نقله الكاتب مارتن مريديث في كتابه "Elephant Destiny"، عن حارس المحميات الكيني جورج آدامسون، حول امرأة من قبيلة توركانا غفت تحت شجرة بعد أن ضلّت طريقها، فاستيقظت لتجد فيلاً يقف فوقها ويلمسها برفق، ثم بدأت أفيال أخرى بالصراخ بصوت عالٍ ودفنتها تحت الأغصان، إلى أن عُثر عليها في صباح اليوم التالي سالمة.
كما تشير روايات أخرى موثقة إلى أن أفيالاً هاجمت صيادين وقتلت أحدهم، فعادت لاحقاً لتغطي جثته وحتى جرحه بالطين والأغصان.
هذه المشاهدات تبقى رغم توثيقها في مصادر بحثية موثوقة أقرب إلى الشهادات الميدانية الفردية منها إلى الدراسات العلمية المُحكَّمة، وهو تمييز يشدد عليه الباحثون أنفسهم، إذ لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأدلة المباشرة لفهم دوافع هذا السلوك بدقة.
هل تملك الأفيال إحساساً بـ"الذات"؟
في دراسة مرجعية نُشرت عام 2006 في مجلة "PNAS" على يد الباحثين جوشوا بلوتنيك وفرانس دو وال ودايانا رايس، أُخضعت ثلاث أفيال آسيوية في حديقة حيوان "برونكس" بنيويورك لاختبار "التعرف على الذات في المرآة"، عبر وضع علامة مرئية على جباهها في مكان لا يمكن رؤيته إلا بالمرآة، إلى جانب علامة وهمية غير مرئية للتحقق من عدم كون التفاعل مجرد استجابة لمسية.
ونجحت الفيلة "هابي" في الاختبار، إذ لمست العلامة المرئية على جبهتها بخرطومها بشكل متكرر بعد تفقّد المرآة، من دون أن تهتم بالعلامة الوهمية غير المرئية.
وبهذه النتيجة، انضمت الأفيال إلى مجموعة نخبوية صغيرة من الكائنات القادرة على التعرف على ذاتها في المرآة، تضم البشر والقردة العليا والدلافين، وهي قدرة يربطها الباحثون بالميل إلى التعاطف والقدرة على التمييز بين الذات والآخرين.
ويشير باحثون إلى أن هذه السمة تطورت بشكل مستقل لدى عدة فروع مختلفة من الكائنات ذات الأدمغة الكبيرة والحياة الاجتماعية المعقدة.
كما أظهرت دراسة لاحقة نُشرت عام 2024 في مجلة "Scientific Reports" أن الأفيال قادرة على إدراك أن جسدها قد يشكل عائقاً أمام إنجاز مهمة معينة، وهو ما اعتبره باحثون دليلاً إضافياً على وعيها بحدود جسدها الخاص، بوصفه أحد مكونات الوعي بالذات.
رغم قوة هذه الأدلة، يشدد باحثون، من بينهم عالم الإدراك الحيواني جوشوا بلوتنيك نفسه، على ضرورة التزام الحذر، إذ لم يسبق لأي من الباحثين المتخصصين في سلوك الأفيال، رغم عقود من المراقبة، أن شاهدوا عملية الدفن بأنفسهم بشكل مباشر، ما يترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات بديلة، مثل سقوط الصغار في قنوات الري ومحاولة القطيع انتشالها لاحقاً.
ختاما
تتقاطع هذه المعطيات لترسم صورة عن كائن يمتلك بنية اجتماعية واحدة من الأكثر تعقيداً في المملكة الحيوانية، وسلوكاً تجاه الموت يستدعي مقارنات حذرة مع الطقوس الإنسانية، إلى جانب مؤشرات علمية على وعي مبكر بالذات. ومع ذلك، يبقى العلم في هذا الملف في مرحلة استكشاف مستمرة، تحتاج إلى مزيد من الأرصاد الميدانية المباشرة لحسم الجدل حول ما إذا كانت الأفيال "تحزن" و"تفهم الموت" بالمعنى الذي يفهمه البشر، أم أن الأمر يتعلق بسلوكيات معقدة تتجاوز فهمنا الحالي لها.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك