عباس بن فرناس.. عالم الأندلس الذي حلم بالسماء قبل الأخوان رايت ب 1000 عام
مقدمة
في زمنٍ كانت فيه فكرة الطيران البشري ضربًا من الخيال، وقف عالمٌ أندلسي على مرتفع قرب قرطبة، وقد كسا جسده بجناحين من الحرير والريش، ليخوض واحدة من أجرأ التجارب العلمية في تاريخ البشرية. إنه أبو القاسم عباس بن فرناس، العالم الموسوعي الذي جمع بين الفلك والكيمياء والشعر والموسيقى، وسبق محاولات الطيران الأوروبية بقرون، ليظل اسمه حاضرًا حتى اليوم في فوهةٍ على سطح القمر وفي جسرٍ يحمل اسمه بقرطبة.
النشأة في قلب الحضارة الأندلسية
وُلِد عباس بن فرناس في مدينة رُندة بالأندلس عام 810م، ونشأ في قرطبة التي كانت آنذاك عاصمة العلم والحضارة في أوروبا، وأحد أهم مراكز الإشعاع الفكري في العالم الإسلامي إبان العصر الأموي بالأندلس (756–1031م). وقد هيأت له هذه البيئة العلمية المزدهرة، بما احتوته من مكتبات ومجالس علم، أن ينهل من علوم عصره المختلفة، فبرز بوصفه عالمًا متعدد المواهب: مخترعًا وفلكيًا وكيميائيًا وشاعرًا وموسيقيًا بارعًا.
إنجازات علمية سبقت عصرها
قبل أن يخوض غمار تجربته الأشهر في الطيران، كان ابن فرناس قد قدّم إسهامات علمية متنوعة تنمّ عن عقلية استثنائية:
الميقاتة (الساعة المائية):
ابتكر آلة لقياس الزمن تعمل بتدفق المياه، ساعدت على تطوير أدوات ضبط الوقت والفلك في عصره.
الزجاج الشفاف من الحجارة:
يُنسب إليه التوصل إلى طريقة لتصنيع الزجاج عالي النقاء، وهي تقنية ساهمت في ازدهار صناعة الزجاج في الأندلس، وقد استُخدمت لاحقًا في صناعة النظارات والعدسات.
ذات الحلق:
جهاز فلكي يحاكي حركة الكواكب والنجوم عبر سلسلة من الحلقات المتداخلة.
القبة السماوية المنزلية:
بنى في منزله غرفة تحاكي السماء، يشاهد فيها الزوار النجوم والسحاب والبرق والرعد، عبر آليات كان يديرها من معمله أسفل المنزل، في ما يُعد أول تجربة من نوعها موثقة تاريخيًا لمحاكاة السماء.
أول قلم حبر:
تشير بعض المصادر التاريخية، ومنها ما ورد في كتب التراث العلمي العربي، إلى أنه صمم أسطوانة متصلة بحاوية صغيرة يتدفق منها الحبر إلى طرف مدبب للكتابة، في محاولة مبكرة لتطوير أداة كتابة مستقلة عن الغمس المتكرر في المحبرة.
تقطيع أحجار المرو:
طوّر طريقة محلية لتقطيع هذا النوع من الأحجار الكريمة في الأندلس، أغنت الصناع عن إرسالها إلى مصر لتقطيعها.
محاولة الطيران.. اللحظة التي خلّدت اسمه
تُجمع معظم المصادر التاريخية، وفي مقدمتها ما ذكره المؤرخ أحمد بن محمد المقّري التلمساني في كتابه "نفح الطيب"، على أن ابن فرناس أجرى محاولته الشهيرة للطيران عام 875م (261هـ)، وكان عمره آنذاك نحو خمسة وستين عامًا.
وطبقا لما توثقه المراجع التاريخية، فقد سبقتها محاولة أولى أقل شهرة، استفاد منها في تصحيح أخطائه.
في تجربته الثانية، صنع ابن فرناس رداءً ذا جناحين من الحرير، غطّاهما بريش النسور، مستلهمًا تصميمه من مراقبته الدقيقة لطيران الطيور. صعد إلى مرتفع قرب قرطبة، وأمام حشد من الناس قفز وحلّق في الهواء لمسافة لا بأس بها، قبل أن يفقد السيطرة أثناء الهبوط ويسقط، مصابًا بجروح في ظهره.
وتُفسر الروايات التاريخية سبب فشل هبوطه إلى إغفاله وضع "ذيل" لجناحيه، وهو الجزء الذي أدرك -بعد مراقبته اللاحقة لحركة الطيور- أنه ضروري للتحكم في التوازن أثناء النزول. وتذكر بعض المصادر أن هذه الإصابة جعلته يمتنع عن تكرار المحاولة.
الأثر والإرث العلمي
يُعد عباس بن فرناس اليوم أيقونة في ريادة الطيران البشري، وقد امتد أثره إلى عصور لاحقة على النحو التالي:
تكريم فلكي:
أُطلق اسمه على فوهة قمرية تخليدًا لإسهاماته العلمية.
معالم تحمل اسمه: يوجد في قرطبة جسر يحمل اسم "ابن فرناس"، كما سُمّي مطار بغداد الدولي سابقًا باسمه لفترة من الزمن، تكريمًا لريادته العلمية.
إلهام علمي: يرى مؤرخو العلوم أن محاولته، وإن لم تكتمل بالنجاح الكامل، شكّلت لبنة معرفية أسهمت لاحقًا في تطور التفكير العلمي حول ميكانيكا الطيران في عصر النهضة الأوروبية.
ختاما
تختصر سيرة عباس بن فرناس روح الحضارة الأندلسية في أوج ازدهارها: عقلٌ فضولي لا يكتفي بحدود المعرفة المتاحة، وجرأة على تجربة المجهول رغم المخاطر. فمن الساعة المائية إلى الزجاج الشفاف، ومن القبة السماوية إلى القفزة الجريئة في سماء قرطبة، ترك هذا العالم بصمة لا تزال حاضرة في ذاكرة العلم الإنساني، لتبقى قفزته من ذلك المرتفع الأندلسي واحدة من أكثر اللحظات إلهامًا في تاريخ الطموح البشري نحو التحليق.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك