المحقق الراحل محمود الطناحي حذر مبكرا من تغريب النقد العربي
تُعيد الأوساط الأكاديمية والنقدية بالقاهرة فتح ملف "تغريب النقد الأدبي" والجفاف المعرفي الذي يهدد مناهج أقسام اللغة العربية بالجامعات، مستحضرةً التحذيرات المبكرة التي أطلقها عالم التحقيق واللغة الراحل الدكتور محمود الطناحي (1935–1999م) حول استيراد النظريات الغربية وتسطيح ذائقة الطلاب الأدبية.
شهادة تاريخية: صدمة الأكاديمي والأب
تعود جذور هذه القضية إلى وثيقة نقدية بارزة كتبها الطناحي بمجلة «الهلال» المصرية (عدد أغسطس 1996م) تحت عنوان «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». ورصد العالم الراحل تجربة شخصية مؤلمة حين استعانت به ابنته الطالبة بقسم اللغة العربية لتفهم منهجها في "تحليل النصوص والأدب المقارن والجمال"، ليجد أستاذ الأدب نفسه عاجزًا أمام طلاسم لغوية متكلفة تنتمي لنظريات الألسنية، البنيوية، والتفكيكية.

واستعار الطناحي وصف الإمام ابن دقيق العيد لكلام بعض الصوفية بقوله: «كلام تُعقل مفرداته ولا تُفهم مركباته»، موضحًا أن المناهج باتت تفرض مصطلحات مترجمة مثل: (التناص، التماهي، التفجير اللغوي، الإشكالية، وبدعة تطبيق الأسطورة الغربية على الشعر الجاهلي). وأكد أن نصيحة بعض المتخصصين للطلاب كانت حفظ هذه الرطانات دون فهم وترديدها كـ "الببغاوات" في أوراق الإمتحانات، مما يفقد الطالب القدرة على التفكير النقدي المستقل.
سياق المعركة: الأصالة في مواجهة الاستلاب
ينتمي الدكتور محمود الطناحي إلى مدرسة أقطاب التراث العربي، حيث تخرج في كلية دار العلوم، وحصل على الدكتوراة، وتتلمذ على يد المحقق الكبير محمود محمد شاكر، وكان عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة. وأبدى الطناحي تعجبه الشديد في مقاله من أن يروج لهذه "المعشاة النقدية" أساتذة نشأوا في الأزهر الشريف ودار العلوم، مشيرًا إلى أن تحويل النقد الأدبي إلى قوالب غربية معقدة أقام جدارًا عازلاً بين الأجيال الشابة والتراث العربي العتيق.
أزمة ممتدة وتطلعات للتصحيح
تؤكد القراءات الحديثة لشهادة الطناحي أن الخلل لم يكن في رفض المعرفة الغربية لذاتها، بل في النقل الشكلي والاستظهار الفارغ لمصطلحات لم تُبْنَ على بيئة الأدب العربي والبلاغة الأصيلة.
وتتعالى الدعوات الأكاديمية اليوم في الجامعات العربية لإعادة هيكلة المقررات الدراسية، والتخلص من التأنق اللفظي المترجم، لصالح منهج نقدي يستوعب أدوات العصر الحديث دون أن يفقد النص العربي أصالته وهويته البلاغية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك