من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

"الحب الاكتئابي".. حين يتحول أكثر المشاعر إنسانية إلى مرض اجتماعي عصري

خالد بيومي


كتاب جديد يطرح سؤالاً يبدو للوهلة الأولى متناقضاً: كيف يمكن للحب والاكتئاب، وهما شعوران متضادان في الظاهر، أن يجتمعا معاً ليكوّنا حالة واحدة تعيشها شرائح واسعة من البشر في المجتمعات الغربية المعاصرة؟ هذا هو محور كتاب "الحب الاكتئابي: علم الأمراض الاجتماعي"، للباحثة السويدية إيما إنغدال، الصادر عن دار "روتليدج" البريطانية عام 2018، ونقله إلى العربية المترجم محمد أبو العينين.

عالمة اجتماع تشرّح "داء العصر"

تعمل إنغدال محاضرة أولى في علم الاجتماع بجامعة غوتنبرغ السويدية، ولها مؤلَّف سابق حول نظرية الذات الانفعالية. وفي كتابها هذا، لا تكتفي بالوصف النظري، بل تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن الحب في المجتمعات الغربية الحديثة تحوّل، في كثير من صوره، إلى ما تسمّيه "داءً اجتماعياً"؛ أي حالة تنشأ عن سوء فهم أو انحراف عن نموذج مجتمعي مثالي للحب، بحيث تُدمَّر فيها احتياجات الأفراد ورغباتهم الحقيقية في السعادة والصحة النفسية بدلاً من أن تتحقق.

وتشير الباحثة إلى أن أكثر أسباب الاكتئاب شيوعاً تكمن في العلاقات الحميمة ذاتها، حين لا يشعر أحد الطرفين بأن الآخر يعترف باحتياجه إلى الحب والرعاية أو يستحقهما. من هنا ينشأ ما تسمّيه "الحب الاكتئابي": نمط عاطفي يتشابك فيه الحب بالألم إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما.

منهج يمزج بين النظرية والقصص الإنسانية

يقوم الكتاب على مزيج من التنظير السوسيولوجي والتحليل النفسي والفلسفي، مستنداً إلى أعمال مفكرين وعلماء اجتماع بارزين أمثال جورج زيمل وإيرلي هوكشيلد وأنتوني غيدنز وزيغمونت باومان وإيفا إيلوز وأكسل هونيث وإريك فروم وسيغموند فرويد، إلى جانب استعارة إنغدال مفاهيم من تحليل ميخائيل باختين لأعمال دوستويفسكي، خصوصاً فكرة "الرواية متعددة الأصوات"، لتفسير كيف تتقاطع الآراء المتباينة حول الحب والاكتئاب في المجتمع كما تتقاطع الأصوات في نص أدبي واحد.

ولا تعتمد الباحثة على الطرح النظري وحده، بل توثّق الظاهرة ميدانياً من خلال دراسة أعمال فنية – موسيقى وأدباً وتصويراً فوتوغرافياً – فضلاً عن تجارب الحياة اليومية عبر مقابلات وتحليل مراسلات إلكترونية ورسائل نصية ومحادثات عبر تطبيقات التواصل الحديثة. هذا التنوع في المصادر يمنح الكتاب، بحسب مراجعات أكاديمية نُشرت عنه، ثراءً تجريبياً إلى جانب اتساعه النظري.

ثلاثة أبواب لفهم معادلة الحب والاكتئاب

يتوزع الكتاب على ثلاثة أجزاء رئيسة، غير منفصلة عن مقدمة وخاتمة تربط بينها: الجزء الأول بعنوان "أحاديث الحب في ظل اليأس"، ويركّز بشكل أكبر على الحب في ذاته؛ والجزء الثاني "قفزة الحب إلى دائرة الاكتئاب"؛ والجزء الثالث "الحب المثالي المُشوَّه"، الذي يتعمق أكثر في تحليل الحب الاكتئابي تحديداً. وتتقاطع هذه الأجزاء فيما بينها، بحيث يتّضح خط التفكير في الحب بوصفه "داءً اجتماعياً" تدريجياً مع كل صفحة.

وتطرح المؤلفة عبر فصول الكتاب أسئلة جوهرية: هل عرفت مجتمعات غربية أخرى، في عصور سابقة، هذا النمط من الحب الاكتئابي؟ وكيف يُنظَّم هذا النمط في المجتمعات الغربية المعاصرة؟ وما وظائفه أو أغراضه فيها؟ وتخصص السؤال الأكثر إلحاحاً للبحث فيما إذا كان الحب الاكتئابي نتيجة غير متوقعة للتحولات التي طرأت على الهياكل الاجتماعية، أم أثراً سلبياً للنموذج السائد الحالي للحب ذاته.

قراءة على مستويات متعددة

يوضح الكتاب في مقدمته أن بعض فصوله سهلة القراءة وأخرى أكثر عمقاً وتطلباً، وأن هذا التفاوت في الأسلوب مقصود، بحيث يمكن قراءته من زوايا مختلفة: إما بدافع التعرف على قصص إنسانية عن الحب الاكتئابي، أو بدافع تحصيل معرفة نظرية متكاملة حول الظاهرة، بما يجعله صالحاً لقارئ متخصص وآخر عادي لا يعرف شيئاً عن الموضوع من قبل.

بعد نقله إلى العربية، يضيف هذا العمل إلى المكتبة العربية إضافة نوعية في حقل سوسيولوجيا العواطف، وهو حقل لا يزال محدود الحضور مقارنة بمجالات أخرى في علم الاجتماع، ويفتح الباب أمام نقاش أوسع حول كيفية تشكّل تجربة الحب والألم النفسي في ظل التحولات الاجتماعية والتقنية التي يعيشها العالم المعاصر.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10791
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.