رؤية ذائقية لرواية ميلانين للكاتبة التونسية فتحية دبش
منذ الصفحات الأولى لرواية " ميلانين" ، يُدرك القارئ أنه لا يدخل إلى عالم حكائي تقليدي ، بقدر ما يدخل في فضاءٍ رحبٍ من الأسئلة الفلسفية والإنسانية المتشابكة ، فالكاتبة لا تقدم شخصياتها بوصفها أدوات لتحريك الأحداث فحسب، بل تجعلهم حوامل لرؤى فكرية وثقافية متباينة ، بحيث يتحول الحوار والسرد إلى وسيلة لمساءلة الإنسان والعالم اكثر من كونهما وسيلة لرواية الواقائع.
ولعل الجملة التي تأتي على لسان نيكولا الطالب الفرنسي: " من الصعب أن تنجب الأنثى بلا حب، لكنها تحمل جنينًا بلا حب أو بعد اغتصاب " ، تمثل مدخلًا مبكرًا إلى هذا العالم الذي لا يكتفي بظاهر الأشياء ، فالجملة لا تنشغل بالفعل البيولوجي للحمل، بقدر ما تضع الجسد في مواجهة الروح ، والواقع في مواجهة الإرادة ، وما تفرضه الظروف في مواجهة ما يمنحه الإنسان لحياته من معنى ، ومن خلال نيكولا تفتح الرواية نافذة على منظومة فكرية وثقافية أخرى،لتبدأ منذ البداية في مُساءلة الحب والأمومة والاختيار والحرية والقدر .
ثم تتسع دائرة السؤال من الفرد إلى الجماعة، ومن الجسد إلى الهُوية .فمن خلال الحوار بين نيكولا وأنيسة تناقش الرواية القومية والعنصرية، ورفض اندماج العرب والمسلمين والسود داخل بعض المجتمعات الأوروبية بذريعة الحفاظ على " نقاء العرق "، لكنها لا تسقط في الخطاب المباشر ، وإنما تترك القارئ أمام سؤال، ما معنى العرق أصلًا؟ وأين تنتهي الهُوية ، ويبدأ إقصاء الآخر؟ ، ولهذا تبدو عبارة أن " هذا هو الخيط الرفيع الذي يرقص عليه الجميع هنا وهناك في سباق الهُوية ، اختزالًا بالغ الدلالة لهذا الصراع بين الرغبة في الاحتفاظ بالذات، والخوف من الذوبان في الآخر.

غير أن الرواية في تقديري لا تتوقف عند إدانة الآخر، وهنا تكمن إحدى طبقاتها الفلسفية؛ فالسؤال الأعمق ليس: لماذا يرفضنا الآخر ؟ ، وإنما كيف ساهمنا نحن في تكريس الصورة التي نرفضها؟ ، حين يعتاد الإنسان أن يرى نفسه أقل من الآخر، وأن يعيش دائمًا في موقع الضحية، وأن يهاجر إلى وطن يعرف مسبقًا انه لن يكون فيه من السكان الأصليين، وانه قد يكون أقل شأنًا، فإن الرواية تدفعه لمواجهة ذاته قبل أن يواجه العالم، كأنها تقول أن أخطر اشكال العنصرية هو ذلك الذي يتسلل إلى الوعى ، حتى يجعل الإنسان يصدق أنه أقل.
ومن هنا تصبح الهجرة في " ميلانين " أكثر من انتقال جغرافي من بلد عربي إلى بلد أوربي، فالإنسان قد يهاجر بإرادته أو مكروهًا،لكن المعضلة الحقيقية في الجيل التالي، حين ينشأ الأبناء والأحفاد لا تحمل بالضرورة التقاليد والأعراف التي نشأ عليها الأباء، وهنا تطرح الرواية سؤالًا غير مباشر شديد القسوة، إذا أفلت الزمام من بين أيدينا ، وسبقتنا الجياد الهوجاء، ولم نستطع اللحاق بهم، هل يحق لنا ان نلوم عليهم ، او نقومهم ، ونحن مَن اخترنا لهم البيئة التي صنعت المسافة بينا وبينهم؟، وهل يستطيع أب أن يطالب أبنًا تربي في عالم آخر بأن يحمل بالضرورة ذاكرته وقيمه بالطريقة نفسها؟

ويتصل سؤال ،الهجرة بسؤال الهُوية ، فالإنسان لا يترك وطنه خلفه تمامًا، أنه يحمل الوطن في لغته وذاكرته وعاداته، وربما في جسده أيضَا ،ولهذا يبدو عنوان " ميلانين " أكبر من دلالته المباشرة المتعلقة بلون البشرة .
"فالميلانين " يمكن أن يصبح إستعارة لما تحمله الأجساد، والأوطان من آثار الماضي، جوعًا وجهلًا وعوزًا، وموروثات إجتماعية وتقاليد وأعرافًا نتمسك بها أحيانًا لمجرد انها موروثة، دون أن نضعها يومًا في حيز السؤال.
وهنا يصبح اللون حالة إنسانية وثقافية تتجاوز حدود البشرة إلى ما يثقل الإنسان من موروثات لم يخترها.
ويكتسب اختيار انيسة للعمل بالصحافة دلالة خاصة في هذا السياق ، فالصحفي لا يكتفي برؤية الحدث ،وإنما يحاول تفكيكه وربط أسبابه بنتائجه، لذلك لا تتعامل أنيسة مع العالم بوصفه مجموعة أخبار عابرة، وإنما بوصفه علامات تستحق التأمل ،ومن هنا تأتي الإشارة إلى أحداث السترات الصفراء في فرنسا عام 2018، التي تستدعي في وعيها ذكريات الربيع العربي، وخاصة الثورة في تونس، فالأحداث وإن اختلفت جغرافيتها، تتجاوز في وعيهها باعتبارها صورًا لاحتجاج الإنسان حين يشعر أن النظام السياسي أو الإقتصادي او الإجتماعي لم يعد يستمع إليه.
وهنا لا يصبح حضور الربيع العربي مجرد إحالة تاريخية محددة، وإنما امتدادًا للسؤال عن القهر والحرية ، فالإنسان حين يُقهر طويلًا قد يصل إلى لحظة يدرك فيها إن الفشل لا يكمن في الموت وحده، وإنما قد يكون في الحياة أيضًا، حين تتحول الحياة ذاتها إلى صورة من صور العجز ، ومن ثم تتجاوز الرواية السياسة بوصفها حدثًا سياسيًا، إلى السياسة بوصفها أثرًا يسكن الإنسان ويُعيد تشكيل نظرته إلى ذاته ومصيره.
اما المرأة تدخل الرواية من باب أكثر تعقيدًا من مجرد ثنائية الضحية والجلاد، فالروائية تضع يدها على بنية المجتمع الذكوري التي تنتقل فيها سلطة الرجل من الأب إلى الزوج، حيث أن المرأة تنتقل من قوامة إلى أخرى، حتى وإن امتطت وطنًا آخر، فالأب والزوج يحملان مفاهيم القوامة والشرف بدرجات مختلفة، ويظل جسد المرأة ومصيرها خاضعين لمنظومة إجتماعية تملك حق تعريف ما ينبغي لها أن تكون عليه.
ولهذا تأتي أسئلة الزواج وتقرير المصير في الرواية مرتبطة مباشرة بالحرية ، وتبلغ المسألة ذروتها ، حين يصبح الجسد الأنثوي نفسه سببًا في مصادرة الطفولة، فمجرد ان يكشف جسد الطفلة عن أنوثته، قد يُصبح في بعض البيئات مبررًا لدفعها للزواج، وكأن المجتمع لا ينتظر نضج الإنسان، وإنما يختزله في جسده، وهنا لا تدافع الرواية عن المرأة في مواجهة الرجل ، بقدر ما تدافع عن الإنسان في مواجهة منظومة إجتماعية اختل فيها ميزان الحرية والاختيار.
ولهذا تبدو عبارة أن أنيسة تطمح من خلال روايتها إلى " إنصاف فكرة العدل والانصاف النفسي " بالغة الأهمية:
فالإنصاف لا يعني فقط رد الإعتبار إلى المرأة ، بل محاولة إصلاح العلاقة الإنسانية ذاتها، فالرواية لا تبرأ طرفًا بصورة مطلقة، بل تطرح أسئلة أكثر أزعاجًا: إلى أى مدى يُسهم الصمت في استمرار الظلم؟ ، وإلى أى مدى يُصبح الاستسلام شريكًا في صناعة المأساة؟ ، وهل يكفي ان نرصد الجُرح، أم ينبغي ان نفتش عن البُنية التي تُعيد إنتاجه؟.
وفي قلب هذه القصايا تأتي علاقة الأباء بالأبناء باعتبرها الوجه الآخر لعلاقة الإنسان بموروثه، ولعل استعادة أنيسة ذكرى والدتها وهى تُعد الطعام لأبيها ليسد رمقه أثناء عمله الذي يحتاج لجهد بدني، وإلتفاف الأبناء حوله عند عودته وتمسكهم بالقفة ويأكلون ما تبقى من طعامه ، من أكثر مشاهد الرواية حميمية ؛ فأنيسة تكشف أن ما كان يتركه الأب لأبنائه من طعام لم يكن فائضًا عن حاجته، وإنما كان يتركه ليرى الفرحة في وجوههم ، هنا تتحول القفة والطعام إلى ذاكرة للأبوة، ويصبح العطاء فعل حب صامتًا، في مقابل صورة الأب بوصفه سلطة وقوامة ، وكأن الرواية ترفض ان تختزل الأب في سلطة الرجل ، لتكشف الأب الإنسان .
لكن " ميلانين " لا تكتفي بمساءلة المجتمع؛ أنها تعود لتضع الكتابة نفسها قيد المساءلة ، وهنا تظهر الطبقة الأكثر إثارة في البناء الروائي ، نحن أمام ثلاث شخصيات ينبغي التمييز بينها عند قراءة الرواية، الروائية أى الكاتبة الفعلية التي تقف خلف الرواية الأم " ميلانين "، ثم أنيسة عزوز بطلة الرواية الأم، والصحفية التي تكتب رواية داخلها، ثم رقية الشخصية التي تكتب عنها أنيسة وتحاول الإمساك بها عند السرد.
هذه المستويات الثلاثة تتجاوز تقنية "رواية داخل الرواية " إلى سؤال فلسفي عن علاقة الكاتب بشخوصه، هل الكاتب هو مَن يحرك الشخصية، أم ان الشخصية حين تبلغ درجة معينة من الوعى تنفلت من سلطة الكاتب ، وتبدأ في تحريكه هو.
الروائية الفعلية تبدو دائمة التفكير، تحمل فلسفتها الخاصة، ولكنها لا تذكرها مباشرةً؛ وإنما توزع أسئلتها على أنيسة ورقية، وأنيسة تكتب رقية وتمنحها مواصفات محددة، وتحاول أن تتبعها، إلا أن رقية تبدأ في اقتحام الأمكنة التي تذهب إليها أنيسة، وكأن الشخصية التي صنعتها الكاتبة بدأت تفرض وجودها عل صانعها بالصورة التي تريدها هى.
ثم تأتي المفارقة الأشد دلالة: رقية تموت مدهوسة بسيارة قبل أن تكتب أنيسة الرواية ، مع ذلك تمسكت أنيسة بها حتى بعد الموت وسرقت الهاتف الخاص بها خلسة ، لقد استعادتها أنيسة من خلال هاتفها ، وما تركته من رسائل وتدوينات، فتنسج من الموت حياة ، وتحاول أن تكتب شخصية سبقت الكتابة نفسها ، هنا يُصبح السؤال أكثر تعقيدًا، هل أنيسة تخلق رقية ، أم انها تعثر عليها بعد موتها ، وتحاول فقط ان تمنحها شكلًا سرديًا؟.
ومن هنا يمكن قراءة الرواية في ضوء إشكالية " موت المؤلف " التي سبق وان طرحتها الرواية نفسها من خلال نشر أنيسة مقتطفات من رواية "رقية" وما أثارته من اعترضات القراء ، فالقارئ يريد شخصياته كما أحبها، والكاتب يكتب ما يؤرقه، وعندما يعترض القارئ على مصير شخصية ، يبدو وكأنه يريد ان ينتزع من الكاتب حقه في خلق العالم الذي يكتب عنه، لكن الرواية تذهب بنا إلى أبعد من ذلك ، فإذا كان المؤلف يفقد جزءًا من سلطته بمجرد خروج النص إلى القارئ، فإن الشخصية نفسها قد تفقد حدودها مجرد ان يمنحها الكاتب صوتًا ووعيَا.
ومن ثم لا يعود السؤال مَن كتب الرواية ؟ وإنما مَن يكتب مَن؟ الروائية تكتب أنيسة ، وأنيسة تكتب رقية ، ورقية في حضورها الطاغي تبدأ في التأثير على أنيسة ، وهكذا يتحول كل خالق إلى مخلوق في المستوى الذي يعلوه، وكل شخصية إلى مؤلف محتمل في المستوي الذي يليها.
واللافت ان سهيل الذي أحبته رقية ، يتحدث أيضًا عن أنيسة عزوز بطلة الرواية الأم وكاتبة رواية رقية، فيزداد تداخل المستويات السردية، وكأن الشخصيات واعية بوجود بعضها ، وبالأيدي التي تكتبها، وهذا الوعى يجعل شخوص الرواية مختلفة ، فهى لا تبدو مسلوبة الإرادة تمامًا، بل تبدو وكأنها تعرف شيئًا عن مصائرها، الكل يعلم ، والكل ينتظر النهاية .
ومن هنا يبرر سؤال أخر اكثر اتساعًا: إذا كانت الشخصيات تعلم مصائرها ، فهل تملك القدرة على تغييرها؟ أم أن الإنسان مثل الشخصية الروائية يتحرك داخل شبكة المحددات التي لم يخترها؟، وهنا يصبح تصور الرواية للمصير أكثر تركيبُا، إذ لا يبدو الإنسان نتاج إرادته وحدها ، وإنما تتداخل في شبكة من الموروثات الجينية والبيئية والسلوكية.
وهذا ما يجعل النهاية تُعيد قراءة الرواية كلها ، فبعد أن بدأ العمل بإتصال من أحمد إلى أنيسة عزوز ، ينتهي برسالته التي تحمل نتائج التحليل الجيني.." ستجدين تفاصيل كوابيسك ، وستدركين إننا معًا سنكتب تفاصيل ذاكرة الميلانين التي يحملها أحفادنا، أحبك وانتظرك".
انها نهاية لا تغلق الأسئلة، بل تعيدها إلى نقطة أبعد ، هل ما نحمله في داخلنا مجرد ذاكرة شخصية ، أم أن بعض ذاكرتنا قد تكون مكتوبة في الجسد قبل أن نكتبها نحن؟ ، وإذا كانت الجينات تحمل بعض آثار الماضي، فهل يستطيع الإنسان أن يتحرر من ماضيه، أم أنه لا يفعل سوى إعادة كتابته؟.
حتى الحب في الرواية لا يأتي منفصلًا عن الأسئلة، فالكاتبة حين تكتب عن الحب تمنحه لغة حسية نابضة،تجعل القارئ يعيش التجربة لا يراقبها من الخارج، بينما حين تقترب إلى السياسة يتحول السرد إلى مساحة من الثورة والاحتجاج، وحين تُلمح للدين تدفع القارئ إلى الإنتباه وإعادة النظر والتأمل، وهذه القدرة على الانتقال بين الجسد والسياسة والدين والذاكرة دون أن تفقد الرواية وحدتها، وتكشف عن وعى بأن كل هذه القضايا في النهاية تعود إلى سؤال واحد : كيف يعيش الإنسان حريته داخل ما ورثه ، وما فُرض عليه؟ .
ومن هنا يمكن فهم الإزدواجية التي تطرحها الرواية في بعض المواقف، ومنها الموقف من اليهود إذ تكشف عن المسافة بين ما تفرضه النفس في خطابها، وما تقبله في ممارستها، وهذه المسافة ليست قضية منفردة ، وإنما امتداد لبُنية أوسع بالرواية : بين ما نؤمن به وما نفعله ، وبين ما نقوله على أنفسنا ، وما نحن عليه بالفعل .
وأعود معكم حول ما ناقشته الرواية عن "موت المؤلف" ، حيث فتحت في الوقت ذاته بابًا يمكن تسميته على حد قولها: " موت القارئ" ، ليس بمعنى غيابه ، بل سقوط حقه في احتكار المعنى، كما يسقط حق المؤلف في احتكاره، فالقارئ الذي يعترض على مصير رقية لا يملك النص، والكاتب الذي يخلقها لا يستطيع بعد خروجها إلى العالم ان يمنعها أن تكون ملكًا للتأويل، النص في النهاية أكبر من الأثنين ، ومساحته الحرة هى التي تمنحه القدرة على البقاء.
وهنا تكمن القيمة الأهم في " ميلانين " انها لا تجعل القضايا التي تطرحها جزرًا منفصلة، الحب والأمومة، المرأةو الحرية ، الهجرة و الهُوية، العنصرية والوطن ، الربيع العربي و الجينات، والمصير ، الكاتب والشخصية، المؤلف والقارئ ؛كلها حلقات في سؤال واحد عن الإنسان الذي يحاول ان يحدد مصيره، بينما تلاحقه في الوقت نفسه أشياء لم يختارها : وطنه، موروثه ، بيئته، جسده، ذاكرته، وتاريخ الجماعة التي ينتمي إليها.
ولهذا لا أرى " ميلانين " رواية عن أصحاب البشرة السوداء فحسب ، ولا عن الهجرة .... ولا أيٍ من القضايا التي تناولتها الرواية ، وإنما أراها رواية عن الإنسان حين يحاول أن يعرف مَن يكون، ومن أين جاء، وإلى أى حد يستطيع أن يكتب مصيره بنفسه؟.
والأجمل أن الرواية تجعل هذا السؤال ينعكس على فعل الكتابة ذاته، فالإنسان يبحث عن حريته داخل الحياة، والشخصية تبحث عن حريتها داخل الرواية، والكاتب يبحث عن سلطته على شخصياته، ثم يكتشف أن الشخصيات قد تقوده إلى حيث لم يكن يقصد، وفي كل مستوى يتكرر السؤال نفسه، والذي انهي به مقالي النقدي لرواية " ميلانين "، هل نحن مَن نكتب حكايتنا ، أم ان الحكاية هى التي كانت تكتُبنا؟.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك