تقدير موقف: مسار حصر السلاح واستحقاق تفكيك وتسليم سلاح الفصائل المسلحة في العراق
مقدمة
يمر ملف حصر السلاح بيد الدولة العراقية بمرحلة مفصلية تتجاوز الإجراءات الإدارية والشعارات السياسية، لتلامس طبيعة العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة غير النظامية، ومستقبل التوازنات السياسية والأمنية في العراق.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في ظل الضغوط الداخلية والإقليمية والدولية المتزايدة على بغداد، بالتزامن مع سعي الحكومة إلى تعزيز الاستقرار الأمني، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين البيئة الاقتصادية، ومنع استخدام الأراضي العراقية كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وعليه، فإن مسار حصر السلاح لا يمثل مجرد إجراء أمني، وإنما يرتبط بإعادة تعريف مفهوم الدولة واحتكارها المشروع لأدوات القوة، وفصل العمل السياسي عن النشاط العسكري، بما قد يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من شرعية السلاح إلى شرعية المؤسسات والتنمية والاستقرار.
أولًا: المحيط السياسي والتطورات التنفيذية
1. الإجراءات الحكومية ومسار التفكيك المؤسسي
يتجه المسار السياسي العراقي نحو تعزيز مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع محاولات إعادة تنظيم العلاقة بين الفصائل المسلحة والمؤسسات السياسية والأمنية.
وفي هذا السياق، برز توجه داخل القوى السياسية المنضوية في الإطار التنسيقي نحو فك الارتباط بين النشاط السياسي والأجنحة المسلحة، وإعادة تنظيم وضع الفصائل بما يضمن خضوعها للمؤسسات الرسمية والقائد العام للقوات المسلحة.
كما جرى العمل على تشكيل آليات ولجان رسمية تتولى متابعة ملف جرد الأسلحة والآليات والمعدات، ووضع ترتيبات عملية لتسليمها إلى المؤسسات العسكرية والأمنية المختصة، بما يجعل عملية الحصر قابلة للقياس والتنفيذ بدل بقائها في إطار التفاهمات السياسية العامة.
ويشكل هذا التحول، في حال استمراره، خطوة باتجاه إعادة بناء مفهوم احتكار الدولة للقوة، وتقليص ازدواجية القرار الأمني والعسكري.
2. استجابة الفصائل وخيار التسويات السياسية والإدارية
أظهرت بعض الفصائل المسلحة استعدادًا للتعامل مع مسار إعادة التنظيم، سواء من خلال فك الارتباط التنظيمي أو إعادة دمج العناصر ضمن المؤسسات الرسمية.
وقد اتجهت بعض القوى، ومنها عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، إلى طرح ترتيبات تتعلق بجرد الأسلحة والمعدات والآليات، وإعادة تنظيم وضع عناصرها ضمن المؤسسات الرسمية، بما يعكس انتقالًا نسبيًا من منطق العمل المسلح المستقل إلى منطق المشاركة السياسية والإدارية.
كما برز توجه مماثل لدى سرايا السلام باتجاه إعادة تنظيم العلاقة بين عناصرها والمؤسسات الرسمية.
وتكشف هذه التطورات عن محاولة لإيجاد تسوية تحفظ للفصائل حضورها السياسي والاجتماعي، في مقابل تقليص أو إنهاء استقلالها العسكري.
ومن منظور سياسي، قد تمثل هذه التسويات أحد أهم مفاتيح نجاح عملية حصر السلاح؛ إذ إن الانتقال من العمل العسكري إلى المشاركة السياسية يمكن أن يوفر للفصائل مخرجًا يحفظ نفوذها من دون الإبقاء على أجنحة مسلحة مستقلة عن الدولة.
3. عقدة «السلاح الصلب» وشروط إنهاء الوجود الأجنبي
في المقابل، لا تزال بعض الفصائل الأكثر تشددًا تبدي تحفظًا على تسليم أسلحتها، وتربط هذه الخطوة بملف الوجود العسكري الأجنبي في العراق.
وتطرح بعض هذه القوى إنهاء وجود القوات الأجنبية وقوات التحالف الدولي باعتباره شرطًا أساسيًا للانتقال إلى مرحلة جديدة من ملف السلاح.
وتكشف هذه المواقف عن وجود فجوة بين الرؤية الحكومية لمسألة احتكار الدولة للسلاح وبين الرؤية الأمنية لبعض الفصائل التي لا تزال تنظر إلى السلاح باعتباره أداة ردع في مواجهة التهديدات الخارجية.
ومن ثم، فإن معالجة هذه العقدة تتطلب الفصل بين ملفين مترابطين ولكن غير متطابقين: الأول يتعلق بالسيادة العراقية وقرار الدولة في إدارة الأمن الوطني، والثاني يتعلق بجدول الوجود العسكري الأجنبي ومهمته وطبيعة العلاقات الأمنية مع العراق.
4. الضغوط الأمريكية والبعد الاقتصادي
يمثل الموقف الأمريكي أحد العوامل المؤثرة في مسار حصر السلاح، خصوصًا في ظل ارتباط الملف الأمني بالعلاقات الاقتصادية والمالية بين بغداد وواشنطن.
وتسعى الولايات المتحدة إلى الحصول على إجراءات ملموسة تضمن عدم استخدام الأراضي والمؤسسات العراقية من جانب الفصائل المسلحة لتنفيذ هجمات ضد المصالح الأمريكية أو حلفائها.
وفي المقابل، تحتاج الحكومة العراقية إلى الحفاظ على علاقات اقتصادية واستثمارية مستقرة مع الولايات المتحدة والشركات الغربية، خصوصًا في قطاعات الطاقة والخدمات والمصارف والبنية التحتية.
وبذلك، يتحول ملف السلاح إلى جزء من معادلة أوسع تجمع بين الأمن والاقتصاد والاستثمار والعلاقات الدولية.
فكلما نجحت الحكومة في توفير بيئة أمنية أكثر استقرارًا، ازدادت قدرتها على جذب الاستثمارات والشراكات الخارجية، في حين أن استمرار نشاط الفصائل المسلحة خارج السيطرة الحكومية قد يؤدي إلى زيادة المخاطر السياسية والاقتصادية والاستثمارية.
ثانيًا: المحددات الإقليمية ومخاطر التصعيد
لا يمكن تحليل ملف حصر السلاح في العراق بمعزل عن البيئة الإقليمية، ولا سيما التنافس بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
فالعراق يمثل جغرافيا استراتيجية في المنطقة، ويمكن أن يتحول، في حال تصاعد المواجهة الإقليمية، إلى ساحة لعمليات متبادلة أو رسائل عسكرية غير مباشرة.
ومن هنا، تواجه بغداد معادلة شديدة التعقيد؛ فهي مطالبة من جانب بتعزيز سيادتها ومنع استخدام أراضيها في استهداف دول أخرى، بينما تواجه من جانب آخر ضغوطًا من قوى إقليمية للحفاظ على أدوات النفوذ والردع المرتبطة بالفصائل المسلحة.
ويزداد تعقيد المشهد مع التركيز الدولي على الأسلحة النوعية، خصوصًا الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، باعتبارها أكثر الأدوات قدرة على نقل الصراع إلى خارج الحدود العراقية.
وبالتالي، فإن نجاح بغداد في فرض مبدأ حصر السلاح قد لا يكون هدفه الداخلي فقط، وإنما قد يمثل أيضًا وسيلة لتحييد العراق عن الصراعات الإقليمية، ومنع تحوله إلى ساحة مواجهة مباشرة بين القوى المتنافسة.
ثالثًا: مصفوفة السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول: التسوية التدريجية وإعادة الدمج
يقوم هذا السيناريو على استمرار التفاوض مع الفصائل، وفك الارتباط بين الأجنحة السياسية والعسكرية، وإعادة دمج العناصر ضمن المؤسسات الرسمية.
درجة الترجيح: مرتفعة نسبيًا.
ويُعد هذا السيناريو الأقل تكلفة سياسيًا وأمنيًا؛ لأنه يسمح للدولة بتحقيق تقدم تدريجي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة.
أبرز نتائجه المحتملة:
- تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية.
- احتواء الفصائل عبر المشاركة السياسية والإدارية.
- خفض احتمالات المواجهة المسلحة.
- تحسين البيئة الاستثمارية والأمنية.
السيناريو الثاني: حصر جزئي للسلاح مع استمرار بعض الفصائل
يقوم هذا السيناريو على نجاح الحكومة في استيعاب عدد من الفصائل، مع استمرار احتفاظ فصائل أخرى بجزء من قدراتها العسكرية، خصوصًا الأسلحة النوعية.
درجة الترجيح: مرتفعة.
وقد يكون هذا السيناريو هو الأكثر واقعية على المدى القصير، لأنه يسمح بتحقيق تقدم سياسي دون الوصول إلى تسوية نهائية بشأن جميع أنواع الأسلحة.
لكن خطورته تكمن في استمرار الازدواجية الأمنية، وبقاء الدولة أمام قوى مسلحة تمتلك قدرات مستقلة.
السيناريو الثالث: المواجهة الأمنية
يقوم هذا السيناريو على فشل المفاوضات ورفض بعض الفصائل تسليم أسلحتها، بما يدفع الحكومة إلى استخدام أدوات أمنية أكثر صرامة.
درجة الترجيح: منخفضة إلى متوسطة، لكنها قابلة للارتفاع في حال وقوع هجمات كبيرة أو تصعيد إقليمي.
ويمثل هذا السيناريو أعلى الخيارات تكلفة؛ إذ يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات أمنية، وانقسام سياسي، وربما إعادة إنتاج الصراع الداخلي.
السيناريو الرابع: تأجيل الملف نتيجة التصعيد الإقليمي
قد تؤدي مواجهة إقليمية واسعة بين الولايات المتحدة وإيران أو أطراف أخرى إلى تجميد ملف حصر السلاح مؤقتًا، مع عودة الفصائل إلى منطق التعبئة والردع.
درجة الترجيح: متوسطة، وترتبط بدرجة التصعيد الإقليمي.
ويُعد هذا السيناريو الأكثر تهديدًا لمسار بناء الدولة، لأنه يعيد تقديم السلاح بوصفه أداة أساسية في إدارة الصراع السياسي والأمني.
رابعًا: التقدير العام للموقف
تشير المعطيات إلى أن ملف حصر السلاح في العراق دخل مرحلة أكثر جدية من المراحل السابقة، إلا أن الانتقال من القرار السياسي إلى التنفيذ العملي سيظل التحدي الأكبر.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بتسليم الأسلحة والمعدات، وإنما بإعادة بناء منظومة كاملة تقوم على:
1. احتكار الدولة للقرار الأمني والعسكري.
2. الفصل بين النشاط السياسي والنشاط المسلح.
3. إعادة تنظيم وضع المقاتلين ودمج المؤهلين منهم في المؤسسات الرسمية.
4. ضبط الأسلحة النوعية ومنع تخزينها أو استخدامها خارج المؤسسات الحكومية.
5. توفير ضمانات سياسية وأمنية للفصائل التي تقبل الانتقال إلى العمل السياسي.
6. معالجة ملف الوجود العسكري الأجنبي بصورة متوازنة لا تسمح بتحويله إلى ذريعة دائمة لتعطيل عملية حصر السلاح.
وعليه، فإن نجاح الحكومة العراقية لن يقاس بعدد الأسلحة التي يتم تسليمها فقط، وإنما بمدى قدرتها على إنهاء الازدواجية بين الدولة والقوى المسلحة، وتحويل النفوذ المسلح إلى نفوذ سياسي مؤسسي مشروع.
خامسًا: التوصيات والخطة الإجرائية
1. تفعيل آليات التدقيق والجرد المستقلة
ينبغي إنشاء آلية تدقيق وجرد دقيقة وشفافة، تتولى توثيق الأسلحة والآليات والمعدات، مع التركيز بصورة خاصة على الأسلحة النوعية، ومنها الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى.
2. ربط المشاركة السياسية بالالتزام الأمني
ينبغي تعزيز قاعدة واضحة مفادها أن المشاركة السياسية والوصول إلى المواقع الحكومية يجب أن يترافقا مع الالتزام الكامل بمبدأ احتكار الدولة للسلاح، وفك الارتباط بين المؤسسات السياسية والأجنحة العسكرية.
3. توفير مسارات لإعادة الدمج
من الضروري وضع برامج واضحة لإعادة دمج العناصر المؤهلة في المؤسسات الأمنية والعسكرية، إلى جانب برامج تدريب وتأهيل مدني للعناصر التي لن تلتحق بالمؤسسات الرسمية.
4. تسريع معالجة ملف الوجود الأجنبي
ينبغي للحكومة استكمال التفاهمات الخاصة بجدول إنهاء أو إعادة تنظيم مهمة القوات الأجنبية والتحالف الدولي، بما يقلل الذرائع التي تستخدمها بعض الفصائل لتبرير الاحتفاظ بالسلاح.
5. توظيف الاستقرار في جذب الاستثمارات
يجب تحويل التقدم الأمني إلى فرصة اقتصادية من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والمصارف والخدمات، بما يساهم في توفير فرص العمل وتحسين الظروف الاقتصادية.
6. اعتماد استراتيجية اتصال سياسي وإعلامي
تحتاج الحكومة إلى خطاب سياسي وإعلامي واضح يشرح أن حصر السلاح لا يستهدف مكونًا سياسيًا أو اجتماعيًا بعينه، وإنما يستهدف توحيد القرار الأمني والعسكري تحت سلطة الدولة.
7. منع التدويل المفرط للملف
يجب أن تبقى عملية حصر السلاح في إطار قرار عراقي سيادي، مع الاستفادة من الدعم الدولي عند الحاجة، دون السماح بتحويل الملف إلى أداة للتدخل الخارجي أو إلى جزء من صراع المحاور الإقليمية.
خاتمة
يمثل ملف حصر السلاح في العراق اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إعادة بناء مفهوم السيادة واحتكار القوة، كما يمثل اختبارًا لقدرة القوى السياسية والفصائل المسلحة على الانتقال من مرحلة النفوذ العسكري إلى مرحلة العمل السياسي والمؤسسي.
ويبدو أن التسوية التدريجية وإعادة الدمج تظل السيناريو الأكثر قابلية للتحقق، مقارنة بالمواجهة المباشرة، إلا أن نجاحها يتوقف على وجود تفاهم سياسي شامل، وضمانات متبادلة، وإدارة دقيقة لملف الوجود الأجنبي، إلى جانب توفير بدائل سياسية واقتصادية للفصائل والأفراد الذين سيتخلون عن النشاط المسلح.
وفي المحصلة، فإن حصر السلاح لن يكون مجرد إجراء أمني، بل يمكن أن يشكل مدخلًا لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والمجتمع، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا للتنمية والاستثمار.
لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرهونًا بقدرة بغداد على تحقيق معادلة دقيقة تقوم على الحزم المؤسسي، والتدرج السياسي، والاحتواء، وتحييد العراق عن الصراعات الإقليمية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك