من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الآشوريون.. أول قوة عظمى في تاريخ البشرية

القاهرة: خالد بيومي
الآشوريون.. أول قوة عظمى في تاريخ البشرية

الإمبراطورية الآشورية الحديثة: كيف صنع الآشوريون أول قوة عُظمى في تاريخ البشرية؟


في قلب بلاد الرافدين، ومن مدينة آشور الصغيرة على ضفاف نهر دجلة، انطلقت واحدة من أعظم القصص في تاريخ الحضارة الإنسانية؛ قصة إمبراطورية حكمت العالم القديم بأسره لقرابة ثلاثة قرون، وأسّست لأول مرة في التاريخ نموذجًا لما يُعرف اليوم بـ"القوة العُظمى الشاملة".
البداية: أدد نيراري الثاني ونهضة آشور من الرماد
بعد أن أنهكت غزوات الآراميين والعموريين وشعوب البحر أركان الدولة الآشورية الوسطى، وتراجعت آشور عن كثير من أراضيها في أعقاب انهيار العصر البرونزي نحو عام 1200 ق.م، جاء الملك أدد نيراري الثاني (911-891 ق.م) ليعيد للدولة الآشورية هيبتها.
استعاد هذا الملك الأراضي التي فُقدت وأمّن الحدود، وتعامل مع الآراميين المهزومين إما بالإعدام أو بالترحيل إلى قلب آشور وصهرهم في نسيجها الحضاري. 
ويُجمع المؤرخون على اعتباره المؤسس الفعلي للإمبراطورية الآشورية الحديثة، التي امتدت منذ توليه العرش عام 911 ق.م لتهيمن على الشرق الأدنى القديم وأجزاء من جنوب القوقاز وشمال أفريقيا وشرق المتوسط طوال القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد، لتصبح أكبر إمبراطورية في التاريخ حتى تلك اللحظة. 
وعلى النقيض من أسلافه، حين فتح بابل رفض نهبها، وعقد بدلًا من ذلك اتفاق سلام مع ملكها تُوّج بتزاوج بين العائلتين الملكيتين، متعلمًا من الدرس القاسي الذي دفعه الملك توكولتي نينورتا الأول ثمنًا باهظًا حين نهب بابل ودُفع لاغتياله. 
توسّع لا يتوقف: من الأناضول إلى مصر
توالى على عرش آشور بعد ذلك ملوك حملوا راية التوسع: توكولتي نينورتا الثاني، فآشور ناصربال الثاني الذي جعل من نمرود عاصمة فخمة للإمبراطورية، ثم شلمنصر الثالث. ومع تولي تجلات بلاصر الثالث (745-727 ق.م) بدأت المرحلة الأكثر حسمًا في تاريخ التوسع الآشوري، إذ أعاد تنظيم الجيش والإدارة بما مكّن خلفاءه - سرجون الثاني، سنحاريب، أسرحدون، وآشوربانيبال - من بسط النفوذ الآشوري على مساحة غير مسبوقة.
بلغت الإمبراطورية أقصى اتساعها عام 671 ق.م حين تم فتح مصر على يد الملك أسرحدون، لتضم آشور تحت حكمها بلاد الرافدين والشام والأناضول ومصر وأجزاء من إيران والقوقاز والجزيرة العربية، محققةً وصفًا يتفق عليه المؤرخون: أول إمبراطورية عالمية شاملة في تاريخ البشرية.
عسكريًا، لم يكن هذا التوسع وليد الصدفة. أدخل الجيش الآشوري الحديث سلاح الفرسان بأعداد كبيرة، وتقنيات متطورة في حصار المدن، وشبكة لوجستية فائقة الكفاءة، ما جعله أقوى قوة عسكرية في عصره.
نينوى: أعظم مدن الأرض ومكتبة آشوربانيبال
لم تكن آشور إمبراطورية سيف فقط، بل شهدت في عهدها ازدهارًا حضاريًا غير مسبوق. ومن أبرز شواهد هذا الازدهار مكتبة الملك آشوربانيبال (668-627 ق.م) في نينوى، التي وصفها مؤرخون بأنها المدينة الأعظم والأكثر اتساعًا على وجه الأرض آنذاك، ومقر إمبراطورية امتدت من تركيا غربًا إلى إيران شرقًا. 
تُعد مكتبة آشوربانيبال أقدم مكتبة منظمة بشكل منهجي معروفة في العالم، إذ أُسست في نينوى للحفاظ على تاريخ بلاد الرافدين وثقافتها، وضمت أكثر من ثلاثين ألف نص، رغم أن المجموعة الأصلية كانت على الأرجح أكبر من ذلك بكثير.
جمع آشوربانيبال نصوصًا في شتى المجالات، من الفلك إلى الطب، وكان - خلافًا لملوك آشور الآخرين - يفضّل العلم على الحرب، حتى إن المنحوتات النادرة التي تصوره لا تكاد تخلو من قلمه الكتابي. 

والمفارقة اللافتة أن ما حفظ لنا هذا الإرث هو الحدث نفسه الذي أنهى الإمبراطورية: فحين سقطت نينوى عام 612 ق.م على يد تحالف من البابليين والميديين والفرس، احترقت المكتبة، لكن النيران التي أراد بها الأعداء محو ذكرى الآشوريين هي ذاتها التي طبخت الألواح الطينية وحفظتها لآلاف السنين، لتُكتشف بعد أكثر من عشرين قرنًا. 
إرث يتجاوز حدود بلاد الرافدين
رغم أن الفرس هم من يُنسب إليهم عادة تأسيس أول إمبراطورية عالمية، فإنهم في الحقيقة بنوا على أسس أرساها الآشوريون من قبلهم، من نظام الولايات إلى شبكة الطرق والأيديولوجيا الإمبراطورية. 
وهذا ما يفسر امتداد الأثر الآشوري إلى الشام ومصر وإيران، وبقاءه حاضرًا حتى في الذاكرة الأسطورية للحضارات اللاحقة - إذ يرى بعض الباحثين أن أسطورة "سميراميس" الإغريقية ليست سوى صدى لإنجازات الملكة الآشورية الحقيقية شمورمات، التي مارست نفوذًا لافتًا في عهد ابنها أدد نيراري الثالث.
بهذا المزيج النادر من القوة العسكرية والتنظيم الإداري والإنجاز الثقافي، تبقى الإمبراطورية الآشورية الحديثة نموذجًا تأسيسيًا لفكرة "القوة العظمى" ذاتها، وشاهدًا على أن التاريخ الإنساني بدأ يكتب فصوله الأولى عن الهيمنة الشاملة من قلب بلاد الرافدين.
#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10806
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.