من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

إشعارات هاتفك تسرق تركيزك.. "تكلفة التبديل" ظاهرة علمية تفسر لماذا لا يعود ذهنك كما كان بعد كل تنبيه

القاهرة: خالد بيومي
إشعارات هاتفك تسرق تركيزك..

كشفت دراسات علمية حديثة أن مجرد وصول إشعار إلى الهاتف المحمول، حتى دون النظر إليه أو الرد عليه، كافٍ لتشتيت الانتباه وإضعاف الأداء الذهني، في ظاهرة يطلق عليها الباحثون اسم "تكلفة التبديل" (Switch Cost)، وهي الجهد العصبي الإضافي الذي يبذله الدماغ لإعادة تركيزه على المهمة التي كان منشغلاً بها قبل الالتفات إلى الجهاز.

ما هي تكلفة التبديل؟

يشير المصطلح، بحسب علماء النفس المعرفي، إلى الوقت والجهد الذهني الإضافيين اللذين يستهلكهما الدماغ عند الانتقال من مهمة إلى أخرى، بدلاً من إنجاز المهمة الأولى حتى نهايتها. ويعود المفهوم إلى أبحاث رائدة أجراها الباحثون روبنشتاين وماير وإيفانز عام 2001، والتي أثبتت تجريبياً أن التبديل بين المهام، مهما بدا سريعاً، يفرض "تكلفة" قابلة للقياس تتمثل في تباطؤ زمن الاستجابة وارتفاع معدل الأخطاء.

وما يميز إشعارات الهاتف عن غيرها من المشتتات أنها لا تحتاج إلى تفاعل فعلي لإحداث الضرر؛ فبحسب دراسة أجراها الباحثون ستوثارت وميتشوم ويهنرت عام 2015 ونُشرت تحت عنوان "التكلفة الانتباهية لتلقي إشعار هاتفي"، فإن مجرد سماع أو الشعور باهتزاز إشعار وارد، دون النظر إلى الشاشة أصلاً، يكفي لخفض دقة وسرعة الأداء في مهام تتطلب تركيزاً مستمراً، لأن الإشعار يحفز تشتت الذهن والانشغال بالتفكير فيما وصل، حتى قبل أي فعل إرادي من المستخدم.

نتائج حديثة: سبع ثوانٍ كافية لتفكيك التركيز

في تطور لافت، أظهرت دراسة نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة "Computers in Human Behavior"، أُجريت على 180 طالباً جامعياً باستخدام اختبار "ستروب" الشهير لقياس سرعة المعالجة الذهنية والانتباه المركّز، أن ظهور إشعار واحد على الشاشة يكفي لتفكيك التركيز الذهني لمدة تصل إلى سبع ثوانٍ. ولفت الباحثون إلى أن وتيرة تفقّد الهاتف وحجم الإشعارات الواردة يمثلان مؤشراً أدق على حجم التشتت الذهني، مقارنة بإجمالي الساعات التي يقضيها الشخص أمام الشاشة يومياً.

أثر يتجاوز اللحظة.. "بقايا الانتباه"

لا تتوقف تبعات الإشعار عند لحظة وروده، إذ يشير مفهوم آخر يعرف بـ"بقايا الانتباه" (Attention Residue)، الذي طرحته الباحثة صوفي لوروي عام 2009، إلى أن جزءاً من تفكير الشخص يظل عالقاً بالمهمة أو المحفز السابق حتى بعد الانتقال إلى مهمة جديدة، ما يفسر شعور كثيرين بأنهم لا يستعيدون "حدة تركيزهم" الكاملة بسهولة بعد كل مرة يلتفتون فيها إلى الهاتف.

كذلك، وجدت دراسة ميدانية أجراها الباحثون مارك وغوديث وكلوكه عام 2008 في بيئات العمل الفعلية أن الانقطاع عن المهمة، ولو للحظات، يدفع الموظفين غالباً إلى تعويض الوقت الضائع بالعمل بوتيرة أسرع، وهو ما يترتب عليه ارتفاع مستويات التوتر والإجهاد الذهني، حتى إن بدا الأداء الكمي في الظاهر غير متأثر.

تأثيرات نفسية وسلوكية إضافية

أظهرت دراسة نشرها الباحثون كوشليف وبرو ودان عام 2017 أن الإشعارات المتكررة ترتبط بزيادة أعراض تشتت الانتباه وفرط النشاط لدى المستخدمين، حتى لدى من لا يعانون من اضطرابات انتباه مشخصة أصلاً. كما رصدت دراسات أخرى أن المهام التي يتخللها استخدام الهاتف، ولو بشكل عابر، تسجل تراجعاً ملموساً في معدلات الاستيعاب والتذكر الفوري، خصوصاً في السياقات التعليمية والأكاديمية.

توصيات الباحثين

يؤكد الباحثون أن النتائج لا تعني بالضرورة ضرورة التخلي الكامل عن استخدام الهواتف أو الإشعارات، بقدر ما تدعو إلى فهم أعمق للآليات المعرفية الكامنة وراء هذا التشتت. ومن أبرز التوصيات العملية:

إيقاف الإشعارات غير الضرورية أو تجميعها في أوقات محددة بدلاً من تلقيها بشكل متقطع طوال اليوم.

وضع الهاتف بعيداً عن مجال الرؤية أو النطاق السمعي أثناء أداء مهام تتطلب تركيزاً عالياً.

تخصيص فترات عمل متواصلة دون مقاطعة، تُعرف في أدبيات الإنتاجية بـ"العمل العميق".

إبقاء الهاتف في وضع "صامت" حتى في غياب الحاجة لكتمه بالكامل، تقليلاً لتأثير الأصوات التنبيهية على التركيز.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10817
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.