حول حوار ثقافي مع الأديبة سناء الشعلان
في حوار أجراه الإعلامي توفيق عابد للجزيرة/ ثقافة (22/آب2026) مع الأديبة سناء الشعلان، الذي قدّمها فيه بأنها روائية وأكاديمية تُدرّس النقد الأدبي، وحاصلة على عشرات الجوائز، يبين أنها في هذا الحوار تضع مشرطها النقدي على جراح الثقافة العربية، دون مواربة، بتقديم آراء صادمة وصريحة، وكاسرة للتابوهات.
لفت انتباهي هذا التقديم؛ فما هي هذه الآراء الصادمة والصريحة التي وردت في الحوار؟ وما هي الجراح التي تعرضت لمبضع الأديبة سناء؟
تنفي الأديبة أن تكون للكلمة قوة صاروخ، فتتابع القول :"مهما تشدّقنا بذلك؛ فقوة البطش والتسلح والفتك والتقدم التكنولوجي أهم من كلمات المتشدقين عن بُعدلكن في كلتا الحالتين، لا صوت صادقاً يرتفع في أوطاننا لأجل كلمة حق، لا سيما من طرف مَنْ يُطلقون على أنفسهم لقب "مثقف" إلّا مَنْ رحم ربي"
لا شك في أن المثقف أو الأديب يدرك أن الأدب لا يكون تأثيره في الواقع مباشرًا، وليس بقوة صاروخ، لكن لا ينفي أن له أهميته وتأثيره مع عوامل أخرى في الحياة والناس والمجتمع، كما كان تأثير رواية "كوخ العم توم " في تحرير الرقيق بأمريكا، حتى إن ستاء نفسها في حوارها هذا تقول:" الأدب مهم، وهو والإعلام ركيزتان من ركائز صنع السرديات" فكما للتكنولوجيا الحربية أهميتها فإن للأدب أهميته، فالجندي الذي يطلق الصاروخ، كان للأدب تأثيره مع غيره من العوامل السياسية والاقتصادية في تأهيله نفسيًا وجسديًا؛ ليكون جنديًا قادرًا على حمل الصاروخ واستخدامه. فالإنسان عامة ليس مادة فقط بل أيضًا عواطف وأحاسيس وأفكار للأدب دور في تكوينها. ثم ما هذا النفي شبه المطلق لوجود من ينطق بالحق في أوطاننا؟ وما هذا الاستخدام الساخر من كلام الآخرين بوصفهم بالمتشدقين؟
في إجابتها عن كيفية تعاملها مع ألقابها الكثيرة: "شمس الأدب العربي"، و"أيقونة الأدب"، و"سيدة القصة القصيرة" ترى أنها على الرغم من تقديرها لهذه الألقاب، ولمَنْ أطلقها فهي "غير مهمة في زمن كله ألقاب مزوّرة. المهمّ أن أستمر في عطائي وإبداعي، وأن أُخلص لهذه الألقاب، وأن أستحقها عملاً" فكيف تكون الألقاب عندها غير مهمة، وهي مستمرة في الإخلاص لها؟ ثم إن القارئ يسأل بما أن الزمن" كله ألقاب مزورة" فهل ألقابها المخلصة لها تدخل في هذا الزمن؟
في سؤالها عن قراءتها مقولة محمد الماغوط بأن "مأساة الكاتب العربي أنه يقضي زهرة شبابه وكهولته وهو يقفز لاهثًا" تجيب بأن "الجميع في هذا الكون يمضون حيواتهم لاهثين خلف أفكارهم ورغباتهم وحاجاتهم في عوالمهم المختلفة، ليس المهمّ اللّهاث؛ إذ هو أمر قهريّ ضمن سيرورة الحياة" يبدو أنها لم ترجع إلى سياق هذه المقولة في نتاج الماغوط، لقد وردت هذه المقولة الشهيرة للشاعر والكاتب السوري محمد الماغوط في كتابه "سأخون وطني: هذيان في الرعب والحريّة" في سياق تشخيصه لأزمة حرية التعبير والرقابة في العالم العربي، ونص المقولة الكامل هو" إن مأساة الكاتب العربي أنه يقضي العمر وهو يقفز لاهثاً بين ما يريد أن يقوله وما يستطيع أن يقوله" إن المقولة تعبر في الحقيقة بعمق عن تحول الكاتب إلى رقيب على كلماته خوفاً من السلطة أو المجتمع قبل أن تصل فكرته إلى الورق، كما تعبر عن استهلاك عمره الأدبي باللف والدوران بدلاً من التفرغ لبناء مشروع فكري أو أدبي حقيقي، كما تظهر المفولة ضياع الكاتب بين الحرص على الأمانة الفكرية وبين ما تفرضه قوانين السلطة. وهو غير ما فهمته الدكتورة سناء من أن الجميع يسعون وراء حاجاتهم وأغراضهم وأن لهاثهم "أمر قهري ضمن سيرورة الحياة." فأين هي مما أراده الماغوط في كلمته؟
وتعود الأديبة في سؤال عن الأدب إلى اتهام من يحاولون أن يسكّنوا هموم الناس بمخدّر الأدب والكلمة، بأنهم "جهلاء أو خونة" يخرج هذا الوصف عن الصواب؛ فالأدب من مهماته أن يخفف من آلام الناس، ويجعلهم يتحملونها، بل يوجد من يعالج بالأدب والفن الأمراض النفسية. ونحن نرتاح عند قراءة الشعر، أو الرواية، أو نستمع إلى الغناء.
وفي سؤال عن وجهة نظرها في عدم خلق مجتمعاتنا "المثقف الحر" الذي تنتظره الجماهير. تجيب الأديبة بأن " المعادلة المفسرة لهذا الغياب واضحة: شعوب نائمة.. وعي مخدَّر.. حياة ساحقة صعبة.. حكومات تسعى للنهب" والسؤال الذي تثيره هذه الإجابة: هل الشعوب المستيقظة ذات الوعي الحي والحياة السعيدة بحاجة إلى أن "تخلق" أو تنتظر مجيء المثقف الحر؟
أما رأيها في النقد فيظهر في إجابتها عن سؤال عن العلاقة بين النص الإبداعي والناقد إذ تقول:" النقد هو كائن طفيليّ يعتاش على النص الأدبي، ولا تأثير حقيقيا له في صنع الأدب وتجويده...هو دراسة ونشاط اكتشافي لصاحبه، ولا قيمة حقيقية له في صنع الأدب، أو في ضمان الحياة لاستمراريته"
هل يعيب النقد أن يأتي بعد الإبداع؛ ليخدم النصوص ويحللها ويعرف الناس بها. وأرى التعبير "كائن طفيلي" في وصف النقد مستفزًا. كيف تصف النقد ناقدة وأكاديمية تُدرّس النقد بأنه كائن طفيلي؟ ثم أحقًا لا تأثير للنقد؟ ألم يكن حصولها على جوائز كثيرة نتيجة عمليات نقدية؟ ألم يعرفنا رجاء النقاش بمحمود درويش، وإحسان عباس بعبد الوهاب البياتي، وأوغست شليجل الناقد الألماني بشكسبير؟
في النهاية، يحسن القول: إن هذا الحوار كان صادمًا في حدود رؤيتي؛ لأنه لم يكن ذا عمق فكري وإنساني. كانت أسئلته متواضعة، على غير ما عهدناه في حوارت الإعلامي توفيق عابد؛ فلم يستطع إخراج ما في جعبة الدكتورة سناء الشعلان من أفكار عميقة، كما أنها نفسها غرفت (كما يبدو) في انفعال واضح، ضاع فيه التفكير السليم، والرؤية العميقة، والحس الإنساني الشفيف.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك