من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ترتيل الألم: الشعر والسرد في «شفرة الدقيقة 14»

أحمد رجب شلتوت
ترتيل الألم: الشعر والسرد في «شفرة الدقيقة 14»



   تصف "إيناس محمد عتمان " كتابها «شفرة الدقيقة 14» بأنه «ترتيل بين الشعر والسرد»، وتبدأه فعلًا بـ«ترتيل على كف مريم»، الذي يضم «رماد المسارات»، و«صخب المحابر»، و«شفرة الغياب»، و«صلاة النور الأخير»، قبل الانتقال إلى «عتبة السكون» ثم إلى «شفرة الدقيقة 14». وسرعان ما يتضح أن الشعر والسرد في الكتاب يتحركان حول تجربة إنسانية واحدة: الفقد، والألم، والغياب، والذاكرة، ومحاولة العثور على معنى لما حدث. 

   تبدأ المجموعة من الشعر قبل أن تدخل إلى السرد، في «رماد المسارات» مثلًا، تبدأ الحكاية بصورة ذات تعبر المدينة: «أعبر خطوط المدينة الطويلة دون التفات»، ثم تتسع الصورة إلى الطرق والإسفلت والضباب والحلم واليقين.

فالسرد قادر على رواية الواقعة، أما الشعر فيستطيع التقاط ما يسبق الواقعة أو ما يظل منها في النفس بعد انتهائها. وتزداد أهمية هذا الاختيار حين نصل إلى «عتبة السكون». فالبطل صحفي يعيش في عالم يقوم على السرعة، وعلى تحويل الوقائع إلى أخبار. لكن التجربة التي تشغله مع مريم لا يمكن اختزالها في خبر.


تقول الكاتبة: «ثمة أشياء تولد في الصمت لتبقى.» ثم تميز بين ما تسجله الصحف وما يظل في أعماق الإنسان، لتجعل الكتابة نفسها محاولة لإنقاذ تجربة من النسيان. ومن هنا يصبح «الترتيل» ضرورة فنية، لا مجرد رغبة في التنويع بين الأجناس.

   وتقدم «شفرة الدقيقة 14» مثالا لهذا التداخل. فالصورة التي ظهرت في «رماد المسارات» ــ الطريق، المسار، الغموض، اليقين ــ تعود في «شفرة الدقيقة 14» في صياغة سردية: «ثمة مسارات لا نختارها بوعينا...»

ثم تتحول الكف إلى علامة على الطريق والقدر. وكذلك مريم التي تبدأ في النصوص الشعرية كحضور شعري، تصبح في السرد امرأة لها كتاب ووردة وذاكرة وغياب.

   وعندما يجد البطل الوردة بين صفحات الكتاب، يجد طريقًا إلى الماضي، إلى أن تصل القصة إلى العبارة: «بعض القصص لا تنتهي برحيل أصحابها.»

  وهنا ينجح المزج بين الجنسين؛ لأن الشعر أصبح الذاكرة الشعورية التي تجعل القصة قابلة للامتداد بعد نهايتها.

   وإذا انتقلنا من الشكل إلى المضمون، سنجد أن عددًا كبيرًا من النصوص يدور حول الإنسان حين يواجه تجربة لا يستطيع الإفلات منها: فقد، عزلة، غياب، جرح، أو اغتراب.لكن الكاتبة تعمل على تحويل الألم إلى طريق للمعنى. وهنا يصبح «النور» الرمز الأهم في هذا المشروع.

  في «مملكة أورورا» يصل السرد إلى فكرة أن النور الحقيقي ليس النور الذي يخلو من العتمة، وإنما الذي يخرج منها.

ثم تتبلور الفكرة بصورة أكثر مباشرة: «النور لا يولد إلا من قلب العتمة، والزهرة لا تخجل من جذورها المغروسة في الوحل.» هنا تكون العتمة شرطًا لظهور النور.



    تبلغ هذه الرؤية ذروتها في «خيوط النور والدم الطيب». إليان يعمل على نسيجه أيامًا وليالي، ويجمع خيوط الفجر وألوان النجوم والغيوم والضوء، لكنه يشعر أن النسيج لا يزال ناقصًا. ثم يجرح معصمه ويمرر دمه على الخيوط، وكأنه يختم العمل بجزء من روحه. ثم يأتي التفسير: «الأشياء العظيمة لا تُخلق من المهارة وحدها، بل من ذلك الجزء الذي يقتطعه الإنسان من قلبه ويمنحه لما يحب.»

هذه الصورة تختصر جانبًا كبيرًا من فلسفة الكتاب: التجربة مادة، والألم ثمن، والفن هو عملية التحويل.

 وتبني الكاتبة لهذه الأفكار شبكة من الرموز والصور. فالعناوين نفسها تكشف هذا المعجم: «رماد المسارات»، «شفرة الغياب»، «صلاة النور الأخير»، «خيوط النور والدم الطيب»، «زهور تنبت في الوحل»، «الصدى والمرآة البرونزية».

ويمكن رصد أهم الرموز على النحو التالي:

الطريق: الحياة والمصير والبحث عن الاتجاه.

النور والعتمة: الألم والأمل، لكن أيضًا العتمة بوصفها شرطًا للنور.

الكف: الحضور الإنساني الذي يتحول إلى أثر وذاكرة.

الوردة: الحب والذكرى واستمرار الحضور بعد الغياب.

الدم: الثمن الشخصي الذي يدفعه الإنسان حين يمنح شيئًا من ذاته للعمل أو لمن يحب.

الخيط والنسيج: تحويل التجارب المتفرقة إلى بناء متماسك، وهو رمز يمكن أن يُقرأ أيضًا بوصفه استعارة للكتابة نفسها.

المرآة والصدى: عودة الإنسان إلى ذاته بعد غياب الآخر.

   وهذه الرموز تتحرك جميعًا حول فكرة واحدة: كيف يتحول ما هو عابر ومؤلم إلى شيء يبقى.

وهذا يجعل الأشياء الصغيرة في «شفرة الدقيقة 14» أكثر أهمية من الحدث نفسه أحيانًا. فالكتاب، والوردة، والرائحة، والكف ليست تفاصيل زائدة؛ إنها وسائط الذاكرة. والكتابة نفسها تصبح في هذه الحالة وسيلة لمقاومة النسيان.

   لكن الرمز أحيانًا يصبح علامة جاهزة وليس عنصرًا يتغير معناه من قصة إلى أخرى. فالرمز الكبير ينبغي أن يكون قابلًا لإعادة التأويل.كان يمكن مثلًا أن تكون الوردة في نص رمزًا للحب، وفي نص آخر رمزًا للموت، وفي ثالث علامة على الوهم أو الخداع. أما حين تحتفظ دائمًا بالدلالة نفسها، فإن طاقتها الرمزية تنخفض مع تكرارها.

   والمشكلة الأهم، في رأيي، لا تكمن في وجود الشعر إلى جانب السرد، وإنما في أن السرد نفسه شديد الشعرية.

فذلك يؤدي أحيانًا إلى تسوية الفروق بين الشخصيات والمواقف. كما أن اللغة الشعرية تحتاج إلى نقيضها: جملة بسيطة، حوار يومي، تفصيل واقعي، مشهد صامت. هذه العناصر تمنحها المجال لكي تتوهج.

    تمتلك الكاتبة صورًا قادرة على حمل المعنى، لكنها لا تثق بها دائمًا. فبعد أن نرى إليان يمرر دمه في النسيج، تأتي العبارة التي تشرح لنا أن الأشياء العظيمة تحتاج إلى جزء من القلب. وبعد أن نعيش تجربة العتمة والنور، يأتي تفسير مباشر لما تعنيه التجربة. وهذا ميل واضح في المجموعة: الصورة ثم تفسيرها، والأفضل أن تترك الكاتبة القارئ يستنتج.

فالدم في النسيج، مثلًا، صورة قوية جدًا، وربما كانت قادرة على أن تقول وحدها ما قالته الفقرة التفسيرية بعدها.

  أيضا أرى أن إحدى النقاط سلبيات المجموعة تتمثل إيمان الكاتبة بقدرة الإنسان دائما على تحويل الألم إلى معنى، ذلك يدفع بعض النهايات نحو الحكمة والتصالح أكثر مما تدفعها طبيعة الحكاية نفسها. وهنا مرة أخرى نجد أن الكاتبة أحيانًا تشرح للمتلقي ولا تدعه يستنتج.

   ورغم هذه الملاحظات، فإن «شفرة الدقيقة 14» تمتلك ما يمكن اعتباره أهم شرط لوجود الكاتب: صوتًا خاصًا.

قد نختلف مع درجة الشعرية، أو مع تكرار بعض الرموز، أو مع النهايات التفسيرية، لكن نتفق على أن ثمة عالمًا لغويًا وروحيًا يتشكل عبر النصوص. والأهم أن هذا العالم ليس منفصلًا عن رؤيتها للإنسان.

  وأخيرا يمكن القول إن "إيناس محمد عتمان" في كتابها «شفرة الدقيقة 14» تحاول أن تجعل الكتابة فعلًا لمقاومة الفقد. ولهذا تجمع بين الشعر والسرد، وتجعل الشعر عتبة وجدانية للحكاية، لكن حين يتكرر المعنى نفسه في الشعر والسرد والرمز والخاتمة، يتحول هذا المزج إلى نوع من التوكيد الزائد.

  إن الكاتبة إن تعرف جيدًا ما تريد قوله عن الإنسان، وتمتلك لغة قادرة على قوله، لكنها تحتاج في بعض المواضع إلى أن تثق أكثر بما تقوله الحكاية وحدها، وأن تمنح القارئ مساحة أوسع لاكتشاف المعنى.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10822
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.