حكايات ليلى حسين الجزء ٦
تواصل ليلى حديثها بصوت ملأه الوهن والتعب ، لم تعد تقوى على الكلام حينما جاء الجرسون بوجبة الغداء التي طلبناها ، وهنا طلبت منها أن تكف عن الكلام لنستطيع تناول غدائنا بهدوء .....
إنتهينا من تناول الغداء وطلبنا فنجانين من القهوة شربناهما ونحن نتجاذب أطراف الحديث عن عراقة وجمال تلك الشوارع من قاع المدينة كما يسمى ....أرهقت ليلى من كم السواد الموجود في حياتها فطلبت مني أن نؤجل الحديث فيما بقي من قصتها للقاء آخر بعد أسبوع مثلاً ...
تواعدنا أن نلتقي مرة أخرى في نفس المكان إذ كانت متعة النظر متناهية إلى هذا المكان المميز بكل ما يحوي ...
مر الإسبوع وكأنه يوم واحد ، إذ كانت الرغبة شديدة لدي لسماع باقي القصة منها ، فالقصة تشد أي سامع لمعرفة التفاصيل الجمة والمواقف المتلاحقة ، وكأنها تعيش في معركة ...
كانت لديها الرغبة الشديدة بزيارة المدرج الروماني في وسط عمان ، ذلك الشاهد على قدم وعراقة هذه المدينة ، اذ لا يزال هذا المعلم المتناهي في الدقة والهندسة المبهرة صامداً لعدة آلاف من السنين يحكي الحضارة الرومانيةالعريقة ، وما زال وكأنه بني للتو في سفح أحد جبال عمان السبعة ، ولا يزال يستقبل الاحتفالات العديدة والكثير من الفعاليات من معارض للكتب ، ومن بازارات عديدة للاشغال اليدوية وكل ما تتخيل من مقتنيات تراثية ، تشعر وأن هنا كل يوم في عيد ، قمنا بشراء قراطيس البوظة العربية من على جنبات الشارع المقابل للمدرج ، ثم دخلنا للساحة التابعة للمدرج جلسنا في ظل أحد الاشجار لتناول البوظة ثم إنتقلنا لذلك المطعم لتناول الإفطار هذه المرة إذ إلتقينا في حوالي التاسعة صباحاً والمكان يبدو كأنه خلية نحل لا تهدء فيها الحركة ، وكل النشاط والطاقة في كل ما هو حولك ، إذ يبدأ صباح العمانيين في السابعة صباحاً الكل منطلق لوجهته ، الموظفون ، طلاب الجامعات ، أصحاب محال الخضرة في تلك المنطقة ، وفي ذلك السوق المكتظ بالمحال الصغيرة لبيع الخضار واللحوم والاسماك والدجاج وكل ما يلزم البيت من لوازم للطعام ... دخلنا وقد استقبلتنا نفس الإبتسامة لذلك الجرسون الذي إستقبلنا في المرة الاولى ، طلبنا القهوة أولا ، ثم طلبنا بعض الأصناف التي إعتاد العمانيون تناولها في مطاعم تلك المنطقة ، فهي مطاعم شعبية تعنى بالأطباق العربية المعهودة ، الفلافل والحمص
والفول ، وطبق الكبدة المميز، طلبنا ما وددنا تناوله في ذلك الصباح وأثناء الإنتظار لإعداد الطعام ، طلبت من ليلى إكمال تلك الحكاية الطويلة ، وكنا قد إنتهينا عند العام 1997
في الشهر السابع منها ، حيث عاد الزوج في أحد الليالي من عمله ، متعباً مرهقاً ، متسخ الثياب ويعلو وجهه ويديه السواد من أثار تنظيف المستودع الخاص بمحل الأقمشة الخاص بشقيقه الأكبر وكان يعتبر هذا العمل هو بمثابة إهانة له ، إذ لا يليق به وقد قارب على الخامسة والأربعين من العمر أن يكلف بهذا العمل المهين له من شقيقه ، وكان الأخ يفرض عليه الأوامر كما لو كان طفلاً صغيراً ، مع فارق العمر بينهما البالغ عشرة أعوام ، وبحكم إقامته معه في بيته بعد وفاة والديه ، إذ لم يكن يقوى على رفض أي طلب أو قرار لديه ، ولا يحق له الإعتراض على أي شيء كان ....
وقد سبق وأصيب ذلك الأب بإرتفاع حاد في السكري ، وكان لديه من الإهمال والعناد ما يكفي لعدم مراجعة الطبيب ، ولسوء معاملة هذا الشقيق فلقد أصيب أيضاً بارتفاع الضغط ، وأصبح التعب يرافقه دوما بعد تلك الإصابة ...إلى أن جاء ذاك اليوم والذي كان مليئا بالتعب والارهاق والإهانة من ذلك الشقيق ، دخل مباشرة إلى الحمام ليستحم ويزيل ما علق به من تعب وشقاء وقذارة في هذا اليوم ، ثم توجه لغرفة نومه مباشرة ولم يطلب العشاء ، إذ كان عادته أن يتناول عشائه مباشرة بعد الإستحمام ....
دخلت ورائه إلى الغرفة مستغربةً عدم طلبه للعشاء فوجدته يبكي كما الاطفال بنحيب يعلو ليسمع كل من بالبيت ، سالته مراراً ما الذي حدث فهو أشد قسوة من أن يبدو أمامي بهذا المشهد ، وبعد أن بكى بشدة وبحرقة انتفض واقفاً وكأن جان قد مسه ، وأخذ يجول بالبيت جيئة وذهاباً ، وهو يمسك بكلتا يديه يضمهما لصدره وهو يصيح ، صدري أشعر بسكاكين في صدري ، وقد أصفر لون وجهه ، وقد بدأ جسده ينتفض بشدة ، وقد بدأ العرق يبلل ملابسه ، أدركت حينها أن ذلك ما يسمى بالجلطة القلبية ، وقد قاربت الساعة على منتصف الليل ، أصابني الهلع لبرهة من الزمن إلى انا استجمعت قواي وا
إستوعبت ما يجري حولي ، وبسرعة البرق إرتديت ملابسي وغطاء رأسي وذهبت مسرعة لبيت الجيران الملاصقين لبيتي ، وبصوت مرعوب وحروف متلعثمة اخبرت الجيران بأن شيئا ً خاطئاً حدث لزوجي ، هرع الجار مسرعا معي وقام بنقله إلى السيارة وبسرعة قصوى توجه للمشفى الذي قام على التو بإعطائه ما يسمونه بإبرة الحياة والتي تنقذ حياة من أصيب بجلطة قلبية ، ثم استمرت الفحوصات والصور الشعاعية لفترة من الوقت ليست بالقليلة ، ليقوم الطبيب بإخبار ذلك الجار ان زوجي قد اصيب بجلطة قلبية حادة قد تودي بحياته ، وانه يتوجب عليهم نقله للعناية المركزة بسيارة الإسعاف ، وقد قاموا بكل الإجرائات على وجه السرعة ، وقد طلب منا موظفي المستشفى المغادرة إذ لا فائدة من وجودنا ، عدت لبيتي ، وقد اخبرت شقيقه الاكبر أن المستشفى أودعه للعناية المركزة ، فقرر ان ينتظر للصباح ، ولا ادري اي مشاعر للأخوة تكمن هاهنا ، إذ كيف لاخ يبلغ ان أخاه يصارع الموت ويؤجل أي تصرف للصباح ......
يتبع
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك