إسرائيل تمول مركز أبحاث أمريكي وهمي لتوجيه إجابات الذكاء الاصطناعي بشأن غزة
كشف تحقيق استقصائي أجرته صحيفة "الغارديان" البريطانية عن حملة إسرائيلية ممولة حكومياً استخدمت مركز أبحاث أمريكياً غير موجود فعلياً على أرض الواقع، بهدف التأثير على الطريقة التي تجيب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث الحوارية على الأسئلة المتعلقة بالحرب على غزة، والحد من حجم الانتقادات الموجهة لإسرائيل في الفضاء الرقمي.
124 تقريراً في تسعة أيام
بحسب التحقيق، نشر ما يعرف بـ"معهد هانوفر للسياسة العامة" (Hanover Institute for Public Policy) 124 تقريراً بين 6 و14 أغسطس الجاري، بما يزيد على 560 ألف كلمة، قُدّمت في قالب أكاديمي محايد يتناول قضايا خلافية شديدة الحساسية، من بينها مزاعم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، وتعذيب المعتقلين الفلسطينيين، وتجويع سكان غزة.
ولفت التقرير الانتباه إلى أن معظم عناوين التقارير صيغت في شكل أسئلة، مثل: هل ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في غزة؟ وهل تم تهجير الفلسطينيين من أراضيهم؟ وهل تُعد معاداة الصهيونية شكلاً من أشكال معاداة السامية؟
ورغم أن هذه التقارير استندت ظاهرياً إلى مصادر موثوقة مثل وكالات الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة العفو الدولية والجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، فإن تحليل "الغارديان" خلص إلى أن صياغة المحتوى كانت موجهة لتخفيف حدة الانتقادات الموجهة لإسرائيل. ووثّق التحقيق أن 20 تقريراً على الأقل واجهت استنتاجات منظمات حقوقية بشأن الإبادة الجماعية أو الفصل العنصري بالإشارة إلى عدم صدور حكم قضائي دولي نهائي في هذا الشأن.
كيان بلا وجود قانوني
اللافت في الأمر أن هذا "المعهد" ليس قانونياً في أي بلد، إذ لا يحمل موقعه الإلكتروني أي عنوان فعلي، ولا يذكر أسماء موظفين أو باحثين، كما تُنشر تقاريره دون ذكر أسماء كاتبيها. وتنص شروط استخدام الموقع على خضوعه لقوانين "الولاية التي تأسس فيها المعهد" دون تحديد تلك الولاية.
وطبقا للوثائق الرسمية، سجّلت شركة الإنتاج الإعلامي الأمريكية "بيرو" (Piro Inc)، ومقرها نيويورك، الموقع لدى وزارة العدل الأمريكية بموجب "قانون تسجيل الوكلاء الأجانب" (FARA)، بوصفه مادة تُوزَّع لصالح الحكومة الإسرائيلية. وأفادت تقارير أخرى، من بينها تحقيق لموقع "Responsible Statecraft"، بأن "بيرو" تلقّت نحو 900 ألف دولار من الجهات الإسرائيلية لتنفيذ هذه العملية، عبر التعاقد من الباطن مع مجموعة "هافاس ميديا" الإعلانية الفرنسية.
كما كشفت التحليلات التقنية أن ملف خريطة الموقع (sitemap.xml) يمنح صفحات التقارير أولوية عالية لدى محركات الزحف الإلكترونية، في مؤشر على أن العملية صُممت خصيصاً لتوجيه الروبوتات ومحركات البحث نحو هذا المحتوى لزيادة فرص ظهوره وانتشاره. وأشارت شركة "GPTZero" المتخصصة في كشف المحتوى المولّد آلياً إلى أن عينة عشوائية من 12 مقالاً من مقالات الموقع صُنّفت جميعها على الأرجح كمحتوى مكتوب بواسطة الذكاء الاصطناعي.
جزء من حملة "هسبارا" متعددة الملايين
يندرج "معهد هانوفر" ضمن حملة إسرائيلية أوسع ممولة حكومياً بملايين الدولارات، تُعرف باسم "هسبارا" (الدعاية)، تهدف إلى تشكيل الخطاب على الإنترنت وتوجيه الإجابات التي تولّدها أدوات الذكاء الاصطناعي، في وقت تسعى فيه إسرائيل لمواجهة تراجع غير مسبوق في التأييد الدولي لها جراء الحرب على غزة وتوسع النزاعات الإقليمية.
وطبقا لتقارير أخرى، فإن الحملة الأوسع تشمل أيضاً تعاقداً مع الاستراتيجي السياسي الأمريكي براد بارسكيل ضمن مشروع تُقدَّر قيمته بنحو 46.5 مليون دولار، يهدف إلى بناء شبكة من المواقع المؤيدة لإسرائيل والمُحسَّنة خصيصاً لتصدر نتائج أدوات الذكاء الاصطناعي.
وقد اختبرت "الغارديان" أداة "ChatGPT" بسؤالها مباشرة عن أحدث الأبحاث الصادرة عن "معهد هانوفر"، فيما أشارت تقارير أخرى، من بينها لموقع "Drop Site News"، إلى أن محتوى هذه المواقع بدأ بالفعل يظهر ضمن إجابات منصات ذكاء اصطناعي رئيسية.
وصف مسؤولون إسرائيليون أنفسهم، بحسب ما نقلته تقارير متعددة، حملة "الهسبارا" الأوسع بأنها فشلت حتى الآن رغم الإنفاق الضخم عليها.
من جانبه، اعتبر باحث في "معهد كوينسي" ساهم بجزء من بيانات التحقيق أن الخلل الجوهري يكمن في تعامل إسرائيل مع أزمة سياسية باعتبارها مجرد مشكلة اتصالات وعلاقات عامة، مضيفاً أن التلاعب بالذكاء الاصطناعي قد ينجح في تسريب الروايات الإسرائيلية داخل إجابات المحادثة الآلية، لكنه لم يغيّر شيئاً في استطلاعات الرأي التي تهم صناع القرار الإسرائيليين.
كما علّقت مديرة تنفيذية في "معهد فهم الشرق الأوسط" بأن تمويل إسرائيل لحملات تضليل ودعاية موجهة للجمهور الأمريكي لا يمثل مفاجأة، معتبرة أن ذلك امتداد لنهج قديم تتبعه إسرائيل منذ عقود.
تأتي هذه الكشوفات بعد أيام قليلة من تصريحات مثيرة لمسؤول إعلامي إسرائيلي بارز في حزب "الليكود" وناطق سابق باسم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أقرّ فيها علناً بتلفيق معلومات كاذبة ضمن الحرب الدعائية الإسرائيلية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك