مستقبل الضبط الإداري في السودان
المَدْخَلُ
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: 35).
هذه الآية الكريمة تُشير إلى أنّ الحظّ العظيم لا يُنال إلا بالصبر على الأذى، وكظم الغيظ، والعفو عمّن أساء، حتى يتحوّل العدوّ إلى وليٍّ حميم.
وهي لا تعني ترك المعتدي بلا عقوبة، بل تُؤكّد أنّ العقوبة حقٌّ يُنفَّذ، ثمّ يُطلَب من النفوس أن تتجاوز ما يعلق بها من غيظٍ أو رغبةٍ في الانتقام، كي لا تتحوّل العقوبة إلى وقودٍ لثأرٍ جديد. إنّها دعوةٌ إلى أن يكون العدلُ أساسًا، والتسامحُ جسرًا، فلا يُلغى القصاص، ولا يُترك الجاني، ولكن يُكفّ الغيظ بعد المحاسبة، ليُبنى مجتمعٌ جديدٌ يقوم على التسامح لا على الانتقام.
مَا يَجْرِي الآن
السودان يعيش حالةً من الفوضى، حيث السلطة بلا ضابط، والعمل بلا نظام.
كلّ محاكمةٍ أو معاقبةٍ لمجرمٍ تُفضي إلى مشاحناتٍ جديدة، وكلّ براءةٍ تُثير عداوةً مستمرة. المجتمع لا يعود إلى صفائه، بل يظلّ في دوامةٍ من الانتقام.
وسائل التواصل الاجتماعي صارت كيرًا ينفخ فيه الإعلام الموجَّه، يذكّر الناس بالعداوات القديمة، ويستدعي العصبيات القبلية والجهوية، فيتوهم كلّ طرفٍ أنّه الأفضل.
التعليقات تنطلق بالسباب والمعايرة والطعن، فتنتفخ الأوداج، وتبدأ سلسلة من ردود الأفعال القاسية التي لا تنتهي.
المَخْرَجُ مِنْ هَذِهِ الحَالَةِ
الحلّ ليس في المزيد من العقوبات، بل في القفز فوق الجراح، واحتمال الأذى، وكظم الغيظ، ثم العفو والإحسان بعد المحاسبة.
حينئذٍ يتوافر الحظّ العظيم، ويُفتح الطريق إلى نهجٍ جديدٍ من الصلاح والفلاح، حيث يتحوّل الخصام إلى وُدّ، والعداوة إلى صداقة، والانتقام إلى إصلاح.
الحَلُّ الجِذْرِيُّ
لا سبيل إلى إصلاح السودان إلا بالضبط الإداري.
إنسان السودان واحد، مهما اختلفت أقاليمه وسبل عيشه، لذا لا بدّ من تدريب كوادر من الضباط الإداريين، ليكونوا المسؤولين الأوائل في مناطقهم، وتعمل تحت سلطانهم بقية الأجهزة التنفيذية في تناغمٍ وانسجام.
بهذا يتحقق النظام، وتُستعاد هيبة الدولة، ويشعر المواطن أنّه في وطنٍ تُحكمه العدالة لا الفوضى.
إِنْفَاذُ الوَاجِبِ
أوّلًا: اسْتِبْعَادُ السِّلاَحِ مِنَ البِلادِ
لا إصلاح بلا أمن، ولا أمن مع انتشار السلاح.
فلا بدّ من تجفيف مصادر التسليح، ومصادرة كلّ ما يُهدِّد حياة الناس، ليشعر المواطن أنّه في وطنٍ آمنٍ لا تُرعبه فوهة بندقية.
ثانيًا: جَبْرُ الضَّرَرِ بِتَنْفِيذِ العَدَالَةِ
العدالة هي الميزان الذي يُعيد الثقة بين الناس والدولة.
يجب محاكمة كلّ من تثبت إدانته، فلا حصانة ولا استثناء أمام القانون.
الجميع سواء، والحقّ لا يُفرّق بين كبيرٍ وصغير، ولا بين حاكمٍ ومحكوم.
ثالثًا: حَلُّ الحَرَكَاتِ المُسَلَّحَةِ
هذه الحركات التي رفعت السلاح في وجه الدولة والمجتمع، لا بدّ أن تُحلّ، وأن يُدمج أفرادها في حياةٍ مدنيّةٍ جديدة، ليعودوا مواطنين لا مقاتلين، شركاء في البناء لا في الهدم.
رابعًا: حَلُّ الأَحْزَابِ السِّيَاسِيَّةِ وَإِعَادَةُ تَشْكِيلِهَا
الأحزاب التي ارتبطت بتاريخٍ من الانقسام والخصومة، يجب أن تُعاد صياغتها بنهجٍ جديدٍ يقوم على خدمة الوطن لا على إرثٍ حزبيٍّ قديم.
السياسة في السودان يجب أن تكون ساحةً للتنافس الشريف، لا لتجديد العداوات.
خامسًا: حَلُّ الصُّحُفِ وَالمَنَصَّاتِ الإِعْلاَمِيَّةِ وَإِعَادَةُ تَشْكِيلِهَا
الإعلام الذي يُذكي الفتنة ويُعيد إنتاج الكراهية، لا بدّ أن يُستبدل بنهجٍ أخلاقيٍّ جديد، يُعلي من قيمة الحقيقة، ويُوجّه الناس نحو الوحدة لا نحو الفرقة.
سادسًا: تَشْكِيلٌ جَدِيدٌ لِلْخِدْمَةِ العَسْكَرِيَّةِ وَالأَمْنِيَّةِ وَالدِّبْلُوماسِيَّةِ وَالجِهَازِ القَضَائِيِّ
هذه الأجهزة هي عماد الدولة، ولا بدّ أن تُعاد صياغتها على أسسٍ حديثة، تُقدِّم خدمةً للوطن والمواطن، وتبتعد عن الولاءات الضيّقة أو المصالح الشخصيّة.
سابعًا: صِيَاغَةُ دُسْتُورٍ دَائِمٍ لِلْبِلادِ
الدستور هو العقد الذي يربط أبناء السودان جميعًا، ولا بدّ أن يُكتب بأيدٍ أمينة، من أهل الخبرة والعلم، ليكون مرجعًا ثابتًا لا يتغيّر بتغيّر الحكومات، بل يحفظ وحدة الوطن وحقوق أبنائه.
الخَاتِمَةُ
لا بدّ من وقفةٍ تاريخية ضدّ كلّ من يتصرّف بلا ضابطٍ ولا رادع.
على حكّام هذه الحقبة أن يتحلّوا بالمسؤولية، وأن يُفسحوا المجال طوعًا لمن يأتي بعدهم في سماحةٍ وعرفانٍ، وأن يقبلوا نتائج التحقيق، فالسودان للسودانيين، والمنصب فيه خدمةٌ للبلاد لا غنيمة.
ليكن النهج كسيرة الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، حين ردّ إلى بيت المال ما أخذه بنو أمية من أموال الدولة، وبدأ بحليّ زوجته فردّته بسماحةٍ إلى خزينة الأمة.
هكذا تبدأ صفحةٌ ناصعة البياض، لصاحب النصيب الوافر العظيم من التوفيق والأخلاق الكريمة.
الإسكندرية 29 أغسطس 2026م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك