لماذا نشعر بالعطش؟ التفسير العلمي لعلاقة الصوديوم بحاجة الجسم للماء
العطش لغة الجسم: كيف يترجم الدماغ ارتفاع الصوديوم إلى إشارة استغاثة تطلب الماء؟
حين يشعر الإنسان بجفاف في حلقه ورغبة ملحّة في الشرب، فإنه غالبًا ما يفسّر ذلك على أنه مجرد إحساس عابر، متجاهلًا أنه في الحقيقة أمام رسالة بيولوجية دقيقة يرسلها الدماغ للحفاظ على توازن الجسم. فالعطش ليس شعورًا عشوائيًا، بل هو آلية تنظيمية معقدة تبدأ من مركز عصبي متخصص، وتنتهي بدفع الإنسان إلى تناول الماء لاستعادة الاتزان الداخلي.
آلية الإنذار: مستقبلات الأسموزية في منطقة تحت المهاد
يقع "مركز العطش" في منطقة تحت المهاد (الهيبوثالاموس)، وهي جزء من الدماغ يقع فوق جذع المخ مباشرة. وتحتوي هذه المنطقة على مستقبلات متخصصة تُعرف باسم "المستقبلات الأسموزية" ، مهمتها مراقبة تركيز المواد الذائبة في الدم، وعلى رأسها الصوديوم. فعندما يرتفع مستوى الصوديوم في الدم، يقوم تحت المهاد بتفعيل آلية العطش، ويحفّز في الوقت ذاته إفراز الهرمون المضاد لإدرار البول.
والملاحظ أن هذه المستقبلات لا تستجيب فقط لنقص حجم الماء في الدم، بل هي أكثر حساسية تجاه التغيّر في "الأسمولالية" أو تركيز الجسيمات الذائبة في الدم، والذي يتحدد أساسًا بمستوى أيونات الصوديوم.
من الإشارة العصبية إلى الإحساس الواعي بالعطش
حين يفقد الجسم الماء عبر التنفس أو التعرق أو البول، يزداد تركيز الدم، فترصد المستقبلات الأسموزية هذا التغيّر وترسل إشارات إلى تحت المهاد، الذي يحوّلها بدوره إلى إحساس واعٍ بالعطش يدفع الشخص لطلب الماء. وفي الوقت نفسه، يرسل تحت المهاد عبر الجهاز العصبي السمبثاوي إشارات إلى الغدد اللعابية في الفم، فتقل إفرازاتها المائية وتزداد لزوجة اللعاب، وهو ما يفسر إحساس جفاف الفم الذي يرافق العطش عادة.
بالتوازي مع هذه الاستجابة، تُفرز الغدة النخامية الخلفية هرمون "فازوبريسين" أو الهرمون المضاد لإدرار البول ، الذي يوجّه الكليتين لإعادة امتصاص الماء من البول بدلًا من طرحه، فيخفف بذلك من تركيز بلازما الدم.
حين ينخفض حجم الدم: خط دفاع إضافي
لا يقتصر رد فعل الجسم على مسار الصوديوم فحسب، فحين يصاحب الجفاف انخفاض في حجم الدم، يتدخل نظام هرموني آخر. تكتشف المستقبلات الضغطية في الشريان الأورطي والجيب السباتي انخفاض ضغط الدم، فيستجيب القلب بزيادة معدل ضرباته وقوة انقباضه لتعويض هذا الانخفاض.
وفي الوقت ذاته يتفعّل نظام الرينين-أنجيوتنسين-ألدوستيرون، فيُفرز هرمون الألدوستيرون من قشرة الغدة الكظرية، والذي يعزز الشعور بالعطش، ويحفّز إعادة امتصاص أيونات الصوديوم في الكليتين.
كبار السن أكثر عرضة للجفاف الصامت
من المعلومات المهمة التي توثقها الدراسات العلمية أن حساسية جهاز العطش تتراجع مع التقدم في العمر، ما يجعل كبار السن أكثر عرضة لخطر الجفاف.
ولهذا السبب تنصح الأدبيات الطبية بأن يحرص كبار السن على شرب الماء بانتظام على مدار اليوم، حتى في غياب الشعور بالعطش، باعتباره مؤشرًا متأخرًا قد لا يظهر لديهم في الوقت المناسب.
كما تشير مصادر متخصصة في التغذية إلى أن الحاجة لزيادة تناول الأملاح، وخاصة الصوديوم، تصبح أكثر إلحاحًا في حالات معينة كالنشاط البدني المكثف، أو الحمى، أو الإسهال، أو القيء، وهي حالات تُفقد فيها السوائل والأملاح معًا بمعدلات أعلى من المعتاد.
الخلاصة
العطش إذن ليس مجرد إحساس بسيط بجفاف الفم، بل هو نتاج تفاعل دقيق بين مستقبلات عصبية في الدماغ، وهرمونات في الكلى والغدد الكظرية، وجهاز عصبي يراقب ضغط الدم وتركيز الأملاح في آن واحد. وحين يشعر الجسم بالعطش، فهو في الحقيقة يعلن عن اختلال طفيف في توازنه الداخلي يستدعي التدخل الفوري بشرب الماء، قبل أن يتحول هذا الاختلال إلى جفاف فعلي يهدد وظائف الأعضاء الحيوية.
why-we-feel-thirsty-science)
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك