من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

نصير الدين الطوسي.. العالم الموسوعي الذي أعاد بناء الفلك الإسلامي من رماد المغول

خالد بيومي
نصير الدين الطوسي.. العالم الموسوعي الذي أعاد بناء الفلك الإسلامي من رماد المغول



النشأة وبدايات التكوين العلمي


وُلد محمد بن محمد بن الحسن، المعروف بـ"نصير الدين الطوسي" أو "الخواجة الطوسي"، عام 597هـ/1201م في مدينة طوس بإقليم خراسان (شمال شرقي إيران حاليًا). نشأ في بيئة علمية مزدهرة، إذ تلقى تعليمه الأول على يد والده، ثم انتقل إلى نيسابور في مطلع شبابه طلبًا للعلم، حيث درس على يد كبار علمائها علوم اللغة والفقه والمنطق، قبل أن يتتلمذ على يد  العالم الرياضي المعروف كمال الدين بن يونس، فجمع بذلك بين التكوين الديني الكلاسيكي والانفتاح على العلوم العقلية والرياضية.

شكّل اجتياح المغول بقيادة جنكيز خان لإقليم خراسان، وهو لم يتجاوز العشرين من عمره، منعطفًا مفصليًا في حياته؛ إذ اضطر إلى اللجوء إلى قلاع الإسماعيليين المحصّنة في قهستان هربًا من الدمار الذي طال المدن الخراسانية، وهناك أمضى سنوات طويلة متفرغًا للتأليف والبحث قبل سقوط تلك القلاع  على يد المغول عام 1256م.

من أسير إلى مستشار: القيادة والدور في بلاط هولاكو

يمثل تحول الطوسي من عالم لاجئ في قلاع الإسماعيليين إلى مستشار مقرّب من هولاكو خان أحد أكثر فصول سيرته إثارة للجدل التاريخي. فبعد سقوط قلاع الإسماعيليين، انضم الطوسي إلى معسكر المغول، واستطاع بذكائه أن يكسب ثقة هولاكو، حتى صار من أقرب مستشاريه، ونجح في إقناعه بتخصيص الموارد اللازمة لبناء مرصد فلكي كبير، مستفيدًا من اهتمام القائد المغولي بعلم التنجيم والفلك.

تروي بعض المصادر التاريخية، مثل كتاب "خلاصة الأثر" لمحمد أمين المحبي وكتاب "فوات الوفيات" لابن شاكر الكتبي، حكايات عن دقة تنبؤات الطوسي الفلكية ومقدرته على شرح جدوى علم الفلك لهولاكو بلغة بسيطة مقنعة، وإن كانت هذه الروايات تحتاج إلى تعامل نقدي بوصفها جزءًا من الأدب السِّيَري لا التأريخ الموثق الصرف.

تأسيس مرصد مراغة: أعظم صرح فلكي قبل العصر الحديث

يُعد إنشاء مرصد مراغة عام 657هـ/1259م، غرب مدينة مراغة في إقليم أذربيجان الشرقية بإيران، الإنجاز الأبرز في مسيرة الطوسي. شارك في تشييده علماء آخرون من بينهم فخر الدين المراغي ومحيي الدين المغربي وعلي بن محمود نجم الدين الأسطرلابي، وضمّ المرصد سلسلة مبانٍ امتدت على مساحة تقارب 150 مترًا عرضًا و350 مترًا طولًا، من بينها قبة رصدية صُممت للسماح بمرور أشعة الشمس لأغراض القياس الفلكي الدقيق.

لم يكن مرصد مراغة مجرد محطة رصد، بل كان أقرب إلى أكاديمية علمية بالمفهوم الحديث؛ إذ ضمّ مكتبة ضخمة قُدرت بنحو 400 ألف مجلد، جُمع كثير منها من الكتب التي أُنقذت من الدمار الذي لحق بمكتبات بغداد إثر سقوطها عام 1258م.

واستقطب المرصد علماء من مشارق الأرض ومغاربها، من أمثال ابن الفوطي والقزويني ومحيي الدين المغربي القادم من الأندلس، ليعقد فيه الطوسي ما يمكن اعتباره أول مؤتمر علمي بالمعنى الدقيق للكلمة، تُدارَس فيه نتائج الأرصاد الفلكية جماعيًا.

الجمع بين الفلسفة والرصد التجريبي

تميز منهج الطوسي بالجمع بين الرؤية الفلسفية والتحقق التجريبي، فلم يكتف بمراجعة الإرث الفلكي اليوناني والإسلامي السابق -وعلى رأسه "المجسطي" لبطليموس- بل طوّر أدوات رصد أكثر دقة، وأسهم في تحديث الأسطرلاب وآلات القياس الفلكي.

وقد انتقد الطوسي استخدام بطليموس لأدلة الرصد لإثبات سكون الأرض، مشيرًا إلى أن هذه الأدلة غير قاطعة، دون أن يعني ذلك تبنيه لفكرة حركة الأرض، إذ ظل هو وتلامذته من بعده يرون أن حسم هذه المسألة يحتاج إلى أدلة من الفلسفة الطبيعية لا الرصد وحده.


أبرز الإنجازات: "الزيج الإيلخاني" و"مزدوجة الطوسي"

أثمرت أعمال مرصد مراغة تأليف الطوسي لكتابه الأشهر "الزيج الإيلخاني"، وهو  عبارة عن جداول فلكية دقيقة لحساب مواقع الكواكب والتنبؤات الفلكية، أهداه إلى هولاكو خان، إلى جانب كتاب "التذكرة في علم الهيئة" الذي يُعد من أهم مراجع الفلك النظري في العصور الوسطى.

ومن أبرز إسهاماته العلمية ابتكار ما يُعرف بـ"مزدوجة الطوسي" (Tusi Couple)، وهي نموذج هندسي رياضي يفسر حركة الأجرام السماوية الخطية الظاهرية دون اللجوء إلى فكرة "المعدِّل" (Equant) التي اعتمدها بطليموس، والتي كانت تثير إشكالات فلسفية لدى علماء الفلك المسلمين لتعارضها مع مبدأ الحركة الدائرية المنتظمة.

وقد ثبت لاحقًا أن هذا الابتكار الهندسي أثّر في تطور علم الفلك الأوروبي، إذ استخدم كوبرنيكوس نموذجًا مشابهًا في مؤلفاته دون إشارة صريحة إلى مصدره، وهو ما أثار نقاشًا أكاديميًا واسعًا حول مسارات انتقال العلم بين الحضارة الإسلامية وأوروبا في عصر النهضة.

كما تمكن الطوسي من تقدير معدل الانحراف السنوي لمحور الأرض (البُعد عن القطب)، وقد جاءت نتيجته قريبة جدًا من القيمة المعتمدة علميًا اليوم، وهو ما يعكس الدقة اللافتة لأدواته وحساباته الرصدية.

وتُنسب إليه أيضًا إسهامات مؤسِّسة في علم المثلثات، إذ يُعد من أوائل من عاملوا علم حساب المثلثات (Trigonometry) بوصفه فرعًا رياضيًا مستقلًا عن علم الفلك، في كتابه "شكل القطاع".

القيم والمبادئ العلمية

اتسم نهج الطوسي بحرصه على الدقة في الحسابات، وابتكار النماذج الفلكية البديلة كلما تبيّن قصور النماذج القديمة عن تفسير الظواهر المرصودة، إلى جانب التزامه بنشر العلم عبر تدريب الأجيال اللاحقة من العلماء داخل مرصد المراغة.

ولم يقتصر إنتاجه الفكري على الفلك والرياضيات، بل امتد إلى الفلسفة والمنطق وعلم الكلام والأخلاق، ومن أبرز مؤلفاته في هذا الباب كتاب "أخلاق ناصري" (الأخلاق الناصرية)، الذي يُعد من أهم النصوص الأخلاقية والسياسية في الفكر الإسلامي الوسيط، وكتاب "تجريد الاعتقاد" في علم الكلام الذي درّسه لكبار علماء الشيعة، من بينهم العلامة الحلي.

التحديات: النجاة من الغزو المغولي وإعادة تدوير المأساة إلى معرفة

واجه الطوسي معضلة أخلاقية وسياسية عويصة تمثلت في التوفيق بين هويته العلمية والدينية من جهة، وضرورات البقاء تحت سلطة الغزاة المغول من جهة أخرى. واستطاع بحكمة سياسية لافتة أن يوظّف قربه من هولاكو لحماية العلماء والمخطوطات من الدمار، وأن يحوّل جزءًا من عائدات الدولة الإيلخانية إلى تمويل مشروع علمي كبير، في مفارقة تاريخية جعلت من أحد أكبر الأحداث المأساوية في التاريخ الإسلامي -سقوط بغداد 1258م- نقطة انطلاق لأحد أهم الصروح العلمية في تاريخ الفلك.

الأثر والإرث التاريخي

يمتد تأثير الطوسي إلى ما بعد وفاته ببغداد عام 1274م بفترة طويلة؛ فقد أصبح مرصد المراغة نموذجًا معماريًا وعلميًا للمراصد اللاحقة في الشرق والغرب على حد سواء، وأثرت "الزيجات" الفلكية التي أنتجها ضمن الفلك الفارسي والهندي، بل وامتد تأثيرها إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية لبعض مؤلفاته في القرون الوسطى المتأخرة وعصر النهضة.

وتخليدًا لإسهاماته، أُطلق اسمه على فوهة  قمرية يبلغ قطرها نحو 60 كيلومترًا، كما يحمل أحد الكويكبات اسمه تكريمًا لمكانته في تاريخ العلوم.

الخلاصة

يمثل نصير الدين الطوسي نموذجًا فريدًا للعالم الموسوعي الذي جمع بين الفلك والرياضيات والفلسفة والأخلاق وإدارة المؤسسات العلمية، في لحظة تاريخية فارقة  حيث شهدت انهيار المؤسسة العلمية العباسية وصعود نظام سياسي جديد بقيادة المغول.

ولعل أبلغ دلالات إرثه أنه حوّل التهديد الوجودي الذي مثّله الغزو المغولي إلى فرصة لبناء واحدة من أعظم المؤسسات العلمية في تاريخ الحضارة الإسلامية، لتبقى إسهاماته  بداية من "مزدوجة الطوسي" إلى "الزيج الإيلخاني"- حاضرة في تاريخ العلوم العالمي حتى اليوم.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10856
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.