من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

حكايات ليلى حسين الجزء 8

بقلم أميرة مهداوي - القدس / فلسطين
حكايات ليلى حسين الجزء 8


وتواصل ليلى سرد حكايتها وكأنها تحفظ تلك الحكاية عن ظهر قلب ، فهي تروي أدق التفاصيل وكأنها حدثت بالأمس رغم مرور أكثر من عشرين سنة على تلك الأحداث ....

تقول ليلى والأسى يملأ ملامحها ، كيف مرت تلك الأيام والليالي الحالكة لا أدري ، أي قوة منحني إياها ربي ، وما كم العون الرباني الذي رافقني لا أعلم ، سبحانه وتعالى يقف معي بقوة ، لا سند إلا هو ، الأبناء صغار لا يكادون يستطيعون شيئاً، الأهل كلهم عجزوا عن مد يد العون ولو بشيء بسيط ، والشقيق الذي يملك المال والقدرة وقف متفرجاً، وكأن من أصابه الشلل ليس بأخيه ...وهنا تحول مسار المعاناة والقسوة في العيش لإتجاه آخر ، أصبحت المعركة مع الزمن والأيام والظروف بالإضافة لشخصه الكريم ، أصبح مطلوباً مني تحمل المسؤولية كاملةً، ذهاب إلى المستشفى ثلاث مرات أسبوعياً، لإجراء جلسات العلاج الطبيعي لعل وعسى أن يستطيع الوقوف والمشي ولو كان بسيطاً ، أفضل من أن يبقى مقعداً تماماً، وبعد ثلاثة أشهر كاملة، أذهب فيها إلى المستشفى وأعود دون أي إجراء نظراً لإرتفاع ضغطه ، إنتظم الضغط قليلاً مما مكن فريق العلاج الطبيعي من إجراء اللازم له ، وبعد جهد جهيد من المعالج الطبيعي وتعب غير محدود تمكن من الوقوف والمشي البطيء الحذر ، ولكن ولله الحمد والمنة فلا أحد يتخيل وضع أهل المريض وكم المعاناة لتحريك إنسان مصاب بالشلل ، أصبح يستطيع التجول داخل المنزل ببطيء شديد بمساعدة الأبناء ، بقي الشلل يلازم قدمه ويده طوال سنوات بقاءه على قيد الحياة بعد هذه الإصابة ....

وهنا تعاظمت المشكلة وسنوات القسوة والمرار ، إذ أصبح قعيداً لا يقوى حتى على خدمة نفسه ، كان يجب عليي أن أقوم بتغسيله كما الطفل الصغير ، وخوفاً من سقوطه على أرض الحمام ، اقوم بقص أظافره كلما أحتاج لذلك ، توجب علي أن أقوم بتغيير ملابسه إذ ظلت يده اليسرى والقدم اليسرى عاجزة عن الحركة ....

ستة أشهر مضت من أحلك أيام الحياة ، كان يجب أن يشرب الماء إما بالمعلقة أو القصبة المعدة لشرب العصير 

لكيلا يغص بالماء أو الطعام ، إذ أن عضلات الحنجرة تأثرت لديه ....وتمضي الأيام وكل ما أتى يوم كان أصعب مما قبله ، أصبح عصبياً أكثر ، وأكثر غضبه ينصب على رأس ذلك الإبن الذي لم يكن له ذنب إلا إنه أبنةذلك الأب ....

بدأت النقود التي بحوزتنا تنفذ والشقيق الأكبر يتذمر من تلك المبالغ التافهة الزهيدة التي يعطينا إياها ، ولم يعد يكتفي بالتذمر فقط ، بل لقد أصبح يلقي على مسامعنا الكلمات المهينة الجارحة ، دون اي مراعاة لمشاعر ذلك الأخ المصاب المقعد ...

لم أعد استوعب ما يجري حولي ، مسؤولية عائلة بأكملها ، سبعة أفراد بإحتياجاتهم الكاملة ، فواتير الماء الكهرباء العلاج ، مصاريف الدراسة ، أكل شرب 

يااااا رب ماذا افعل ... من أين آتي بالمال لكل هذا ، لم أعتد أبداً أن أستعطف أحداً 

ولم أعتد أبداً الطلب من أي شخص مهما كانت منزلته لدي ، لم أعتد أن أطلب من زوجي نفسه ، فكيف لي أن أمد يدي لأي بشر ....

وكانت هناك مسؤولية أخرى قادمة بعد أشهر ، إذ كانت إبنتي الكبرى في الثانوية العامة ، وهناك مسؤولية تدريس أكبر ، إذ التعليم العالي في الأردن ليس مجانياً ، وليس هذا فحسب ، بل إن الرسوم الجامعية باهظة الثمن ، ولم تكن فقط هذه هي المشكلة ، بل كانت المشكلة الأكبر في عدم إقتناعه بدخولها الجامعة أصلاً ، إذ لم يكترث يوماً بدراسة الأبناء إطلاقاً ، ويصفني دائما بأني أعاني عقدة الشهادة ، وكأن العلم أصبح عقدة ....

فعلاً لم أكن أعلم من تأتي المشاكل ، أصبحت لا أقوى على التركيز ، قدرتي على الإستحمال بدأت تنهار ، أشعر أني أصارع الموج في ذلك البحر العاتي ،ولا أي بوادر انفراج لما أعاني ....

كانت هناك إحدى الجمعيات في ذلك الحي كنت اتردد عليها فقاموا بتعييني لديهم لأقوم بأعمال النظافة والضيافة مقابل مبلغ زهيد لا يكفي لشراء علاجاته شهرياً ، ولكن كانت خطوة لعلها تفيد ...طرقت كل الأبواب لعلي أجد عملاً يتوافق مع ظروفي الصعبة ، ولكن الأبواب تغلق باباً باباً ....

أصبحت أمضي الساعات أدور بالشوارع باحثةً عن عمل ولكن دون جدوى ، إلى أن صادفت ذات مرة صبية من أبناء الجيران وكانت تعمل في وزارة التربية والتعليم ...

إستوقفتني وقالت : ( هل تبحثين عن عمل ينهي حيرتك ويساعدك على تحمل المسؤولية ؟؟ أجبت نعم بلهفة بالغة وقد شعرت أن يداً من السماء تمتد نحوي ) 

قالت هناك شواغر للمستخدمين في مدارس التربية ، أسرعي وتقدمي بطلب لتلك الوظيفة قبل أن يتم مليء الشواغر وتذهب الفرصة ، وعليك الإنتظار للعام القادم ، شكرتها جزيل الشكر بعد أن أعطتني مكان تقديم الوظيفة ، وما الاجرائات اللازم عملها ...

لم أكن أتخيل ولا بأسوأ كوابيسي أن أضطر للعمل بهكذا وظيفة ، ولكن الظرف حكم عليي بذلك فماذا سأفعل وانا لا شهادة لدي ولا مهنة ، مع العلم أني قد تقدمت لدورة في التجميل من خلال تلك الجمعية ، وقد حصلت على شهادة ورخصة تتيح لي مزاولة مهنة التجميل ، وكنت قد بدأت العمل في ذلك المجال الرائع ، ولكن من خلال المنزل ، وكنت الكوافيرة الأولى في ذلك الحي المكتظ جداً ، بالسكان ، وكان هناك المجال الكبير ليصبح لدي دخل عال أتدبر فيه أمر مصروف البيت ، ويعود حب التملك مجدداً ، إذ يجب أن أنصاع لأوامره ، والأوامر صدرت هنا أنه لن يستحمل دخول السيدات وفوضى الاطفال إن إستمر عملي بالتجميل ، رجوته أن يبني لي غرفة صغيرة على سطح المنزل أعمل فيها دون أن يشعر بأي إزعاج لكنه رفض ، وكالعادة تحكمني السلبية والإنصياع للأمر ، لأني أعلم تماماً أن لا فائدة من النقاش أو حتى الشجار ....

مر عام كامل دون أن أجد عملاً يكفي لتحمل المسؤوليات ، وفي تلك الأثناء علمت من تلك الصبية أن هناك تعيينات قد صدرت ، ذهبت إلى المديرية وكنت في حالة غضب شديد ، أخبر فيها المسؤول عن التوظيف بحاجتي الماسة لتلك الوظيفة ، وبعد موجة شديدة من الغضب حيناً ، والبكاء أحياناً، قام بالطلب مني أن أحصل على بعض الاوراق الثبوتية لإتمام تعييني بوظيفة على الفئة الرابعة ......يتبع

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10879
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.