رؤية ذائقية لقصة " توجس" للأديبة نجوى عبد الجواد
نحن أمام قصة لا تبدأ من حدث واضح بقدر ما تبدأ من حالة ، " توجس" عنوان لا يُحيل إلى خوف مكتمل الملامح، ولا إلى خطر يمكن الإمساك بأسبابه، وإنما إلى ذلك الشعور المعلق بين المعرفة والجهل، حين يشعر الإنسان بأن شيئًا ما يريد أن يقترب منه دون أن يستطيع أن يراه أو يُسميه، ومن هنا يدخل القارئ مباشرة للعالم الداخلي للبطلة ، حيث أعاد الخوف تشكيل كل ما فيه.
فالقصة لم تقدم لنا عدوًا محددًا ، ولا تُخبرنا مَن هؤلاء التي تتوجس البطلة منهم، بل تتركنا أمام ضمير غامض يتكرر ويتسع " منهم" ، هذه الكلمة على بساطتها تبدو المحور الخفي الذي يدور حوله القصة ، إذ ان غياب المرجع الواضح لها يسمح بأن تلتهم العالم من حول البطلة، " الرجل الغريب، البواب، بائعة النعناع، البقال ، الزميلة"، وكلما عجزت البطلة عن العثور عن عدو واضح ، اتسعت دائرة العدو حتى أصبح كل إنسان قابلَا لأن يدخل في صف " هم".

وهنا لا يعود السؤال الحقيقي مَن هم؟ ، بل مَن الذي جعل العالم كله قابلًا أن يكون " هم".
فالإنسان غالبًا لا يصل لهذه الدرجة من الإرتياب دُفعة واحدة، فالشك لدى البطلة لا يبدو وليد لحظة ، بل يبدو كأنه نهاية لتاريخ طويل من التصدعات، فالثقة لا تنهار فجأة ، وإنما تشقق في صمت، وحين تتراكم التشققات يُصبح الإنسان غير قادر على الوثوق حتى بما يعرفه جيدًا، فالقصة تترك فراغًا مهما، فهى لا تُجيب عن السبب الأول لهذه الحالة، وكأنها تفرض ان تختزل المأساة في حادثة واحدة ، أو شخص واحد.
غير أن عدم معرفة السبب لا يجعل السؤال أقل حضورًا، بل يجعله أكثر اتساعًا، هل كانت هناك خيانة؟، هل كان تهديدًا؟، هل تعرضت البطلة لخذلان ما أفقدها الثقة؟، أم أن مجتمعًا كاملًا بقسوته ووعوده المخذولة يمكن أن يشارك في صناعة إنسان لم يعد يرى في الآخرين إلا احتمالات الخطر ؟.
وهنا يفرض السؤال نفسه : إلى أى مدى نشارك نحن في صناعة مخاوف الآخرين؟ .
فكثيرًا ما ننظر إلى إنسان فقد ثقته بالعالم، ونضع المشكلة داخله وحده، فنقول انه "شكاك ، ومتوهم "، دون أن نسأل عن الطريق الذي قاده إلى ذلك .
أرى أن هذا الإنسان في وقت ما ربما منح ثقته بدون حساب ، ونحن بصمتنا وعدم اكتراثنا ساهمنا ليصل لهذه الحالة، ربما لا نكون مَن أحدث الجُرح الأول، لكننا قد نكون ممَن تركوه مفتوحًا.
وتتجلى هذه الحالة متذ البداية من خلال الوصف الدقيق ، حيث الصراع بين ضربات القلب وتمتمات البطلة، فالجسد والعقل يدخلان في دائرة مغلقة، الجسد يعلن حالة الطوارئ بضرباته المتسارعة ، والعقل يحاول البحث عن سبب هذه الإنذارات ، وحين يعجز عن الوصول لخطر بعينه، يبدأ في البحث عن شيء يصلح لأن يكون خطرًا.
ويتغير معنى الأشياء داخل هذا العالم تبعًا لحالة البطلة ، فالهاتف الذي وجد ليصل الإنسان بالآخرين، يصبح مصدرًا للتهديد، والرنين يُصبح اقتحامًا لعزلتها ، كذلك الشباك الذي تفتحه طلبًا للهواء ، تجده سببًا جديدًا للخوف، وبذلك يتحول الشيئان اللذان يمثلا حلقة الاتصال بينها وبين العالم ، إلى منفذين للإرتياب.
كما تظهر كاميرا المراقبة لتُظهر انقلاب معنى الأشياء ، فما يمكن أن يكون وسيلة للحماية ، يتحول في وعى البطلة إلى عين تتعقبها.
ولعل هذا هو أحد أكثر الأبعاد الفلسفية في القصة، فنحن لا ترى العالم كما هو ، بل كما تسمح لنا حالتنا النفسية أن نراه .
البطلة حاولت أن تجد دليلًا للخوف، "تأخرها في وضع كيس القمامة ، عدم اجزال العطاء لبائعة النعناع" ، لكنها ضاعفت هذه الحالة، حيث تداخل الخوف مع الشعور بالذنب ، فلم يعد النص يسأل عن مَن يريد أذيتي ؟، بل ماذا فعلت حتى يريدوا أذيتي؟ .
في هذا السياق تكتسب عبارة البطلة " لا مستحيل في هذا العالم" دلالة تتجاوز ظاهرها، فهى فقدت القدرة على الاستبعاد، وأصبح كل احتمال ممكنًا، وكل ممكن قابلًا للتصديق، وكل شخص ربما يكون عدوًا.
ومن هنا يمكن قراءة النص في ضوء مفارقة فلسفية عميقة ، بين نوعين من الشك ، ففي الشك الديكارتي، الذي يُختزل في المقولة الشهيرة " أنا أشك إذن أنا موجود" ، يكون الشك فعلُا عقليا يمارسه الإنسان ليصل إلى اليقين، فالشك هنا طريق المعرفة ، و بالتالي طريق إلى تثبيت الوجود .
أما في" توجس" فالشك يسلك طريقُا مُعاكسًا تمامًا، فالإنسان هنا لا يستخدم الشك ، وإنما الشك هو ما يستخدمه، فهى لا تبحث عن دليل ينفي خوفها ، بل على دليل يؤكده.
وهنا يتحول المعنى من " أنا أشك أذن أنا موجود "، إلى مفارقة مغايرة " أنا أشك أذن أنا بموت" .
إن الفرق بين الشكين هو بالفعل كالفرق بين الموت والحياة، فشك ديكارت هو حركة الوعى نحو الخارج ، اما شك البطلة هو انكماش الوعي على نفسه.
ومن هذه النقطة تحديدًا يُصبح الموت في القصة موتًا رمزيًا، موت الثقة ،موت العلاقات ، موت القدرة على التواصل، موت العالم الواقعي حين يحل الاحتمال محله.
البطلة بالقصة تلجأ للأشياء طلبًا للحماية تغلق الشباك والباب ،تتدثر بالغطاء ، لكن هذه الأشياء تحت سلطة الخوف تتحول إلى مصدر للرعب ، وإعاقة للحركة .
حتى الشال والطرحة لم تكن رمزيتهما للدفء ، وانما للستر من عالم بات يراقبها ، فهى تخشى أن يُرى ما تُخفيه توجس .
وأرى أن أجمل ما بالقصة حين اصطدمت ركبتها بالكرسي، فشعرت بالألم ، هنا الجسد أراد أن يرجع بالبطلة للواقع البعيد عن الاحتمالات، وتأتي عبارة " تبًا للمسكنات لا فائدة منها" ،لتقف في عالمٍ موازٍ للمسكنات النفسية من" غلق الشباك ، والابتعاد عن الهاتف، والتدثر" فهى لا تعالج المشكلة.
وتصل القصة للذروة عندما تصل القصة إلى الباب، بوصفه الحد الفاصل بين الحقيقة والتخيل.
وليست مصادفة أن تنتهي القصة بكلمة " ماما" ، لحظة الانهيار أعادتها إلى أبسط العلاقات الإنسانية، وأكثرها رسوخًا في الذاكرة ؛ " ماما" هى لغة الأمان لذات استهلكها الشك لتتراجع كطفلة .
القصة تُبني على مفارقة ، الباب الذي طالما خافت أن تفتحه ،كان خلفه الأمان .
"توجس" لا تبرئ العالم بسهولة؛ ولعل النهاية بكل ما فيها من انهيار وحنين ، تُقر أن الإنسان لا يموت بتوقف قلبه، بل قد يبدأ نوع آخر من الموت حين يفقد القدرة على الأمان .
ففي شك ديكارت البعض راق لهذا المنهج واتبع مقولته " أنا أشك إذن أنا موجود" .
أما هنا، فالشك تجاوز حدوده ، واصبح سيدًا للعقل فقالت البطلة" انا أشك إذن انا بموووووت ".
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك