واشنطن تستهدف "بنك مصر" بعقوبات مرتبطة بإيران.. والقاهرة تتحرك لاحتواء التداعيات
عقوبات أمريكية جديدة ضمن حملة "المنبوذ الاقتصادي" تطال فروع ثاني أكبر بنك مصري في الإمارات، والبنك المركزي المصري يؤكد اقتصار الأثر على معاملات الدولار في فروع أبوظبي، فيما تحذّر تقارير من تداعيات على سمعة البنك في السوق المصرفية الدولية.
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، في بيان رسمي نُشر الجمعة الماضي، فرض إجراءات عقابية جديدة على فروع "بنك مصر" – ثاني أكبر بنك حكومي في مصر – العاملة في دولة الإمارات العربية المتحدة، في إطار حملة "عملية المنبوذ الاقتصادي" (Operation Economic Outcast) التي أطلقتها الإدارة الأمريكية لتشديد الحصار المالي على إيران، بحسب ما أوردته رويترز ووكالة فرانس برس. ويأتي ذلك مع دخول الحرب الأمريكية–الإيرانية شهرها السادس من غير أفق واضح لتهدئة، بحسب تقرير وكالة رويترز.
تفاصيل الإجراء الأمريكي
وبحسب بيان وزارة الخزانة الأمريكية المنشور على موقعها الرسمي، فإن شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لها (FinCEN) أصدرت مقترح قاعدة تنظيمية (NPRM) بموجب المادة 311 من قانون "باتريوت"، يقضي بتصنيف فروع بنك مصر الستة في الإمارات باعتبارها مؤسسة مالية "مثار قلق رئيسي لغسل الأموال". وأوضحت الوزارة، في البيان نفسه، أنه إذا أُقرّ الإجراء بشكله النهائي بعد فترة تعليق واستماع رسمية، فسيُحرم الفرع الإماراتي من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة لدى مؤسسات مالية أمريكية، وهو ما يقيّد بشكل كبير قدرته على تنفيذ معاملات بالدولار.
وذكرت وزارة الخزانة، في بيانها، أن فرع بنك مصر بالإمارات نفّذ ما يقارب 1.8 مليار دولار من المعاملات، بين يناير 2024 ويونيو 2026، لصالح نحو 103 شركات وصفتها واشنطن بأنها جزء محتمل من "شبكة مصرفية موازية" تستخدمها إيران للالتفاف على العقوبات. وبحسب موقع "إيران إنترناشونال" الذي استعرض تفاصيل مقترح "فينسن"، فقد أوردت الوزارة على سبيل المثال ثلاث شركات إماراتية: "ألفا تريدنغ" التي نفّذت تعاملات تفوق 32 مليون دولار وتوريد بضائع لصالح وزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري بحسب الاتهام الأمريكي، و"نبأ الزكي للمواد الخام" بتعاملات تجاوزت 29 مليون دولار ووُصفت بأنها واجهة لصرافة "خاندان" الإيرانية، وشركة "ميداس أويل تريدنغ" بتعاملات تخطت المليون دولار.
ونقلت رويترز عن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قوله إن الإدارة الأمريكية تعهدت بقطع كل شريان اقتصادي متبقٍّ لطهران، مضيفًا أن بنك مصر–الإمارات "اختار أن يتعلم بالطريقة الصعبة". وبحسب تقرير وكالة رويترز أيضًا، يأتي الإجراء بعد أربعة أيام فقط من إعلان بيسنت – في 24 أغسطس – عن انطلاق "عملية المنبوذ الاقتصادي" بفرض عقوبات على نحو 60 كيانًا وفردًا في موجتها الأولى، فيما وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحسب التقرير ذاته، حملة العقوبات على إيران بأنها "يوم الإنزال" الاقتصادي.
وبالتوازي، أفادت شبكة الجزيرة، نقلًا عن بيان وزارة الخزانة، بأن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (أوفاك) فرض عقوبات منفصلة على رضا محمد تأييدي، المدير العام لفرع بنك "ملي" الإيراني في دبي، بدعوى تسهيله معاملات بمليارات الدولارات لصالح حسابات يسيطر عليها فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
رد الجانب المصري
وفي أول تعقيب رسمي، نقلت شبكة "سي إن إن" بالعربية عن بيان صادر عن البنك المركزي المصري، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، أن التواصل جارٍ مع الجانب الأمريكي بشأن هذه الإجراءات، مؤكدًا أن أثرها يقتصر حصرًا على معاملات فرع بنك مصر بالإمارات مع المراسلين بالدولار الأمريكي، ولا يمتد إلى أي من بنوك القطاع المصرفي المصري، بما في ذلك بنك مصر داخل جمهورية مصر العربية أو أي من فروعه الخارجية الأخرى في باريس وفرانكفورت والرياض وبيروت وجيبوتي. وبحسب الموقع الإخباري "مصراوي"، الذي نقل البيان أيضًا، شدد البنك المركزي على "صلابة وقوة" الجهاز المصرفي المصري وقدرته على التعامل مع المتغيرات الخارجية.
من جانبه، أفاد بنك مصر، في بيان أورده موقع الجزيرة الاقتصادي، بأنه يدرس الإجراءات التنظيمية الأمريكية "بأقصى درجات الجدية والاهتمام"، وأنه سيتواصل مع وزارة الخزانة الأمريكية للحصول على مزيد من المعلومات ومواصلة التعاون، تمهيدًا لتقديم رده الرسمي للجهات المعنية خلال المهلة الزمنية المحددة لذلك.
أما البنك المركزي الإماراتي، فنقلت عنه شبكة الجزيرة إعلانه الشروع في "فحص خاص وعاجل" لفروع بنك مصر العاملة على أراضيه، مشددًا في بيانه على أن البنوك المرخصة في الدولة مطالَبة بعدم تعريض النظام المالي الإماراتي لمخاطر تتعلق بالسمعة، واحترام القوانين المعمول بها في الدول التي تتعامل معها مؤسساتها المالية.
مخاوف من تداعيات أوسع
ورغم تأكيد واشنطن أن الإجراء يستهدف حصرًا الفروع الإماراتية دون أن يمسّ عمليات المقر الرئيسي في القاهرة، نقل موقع إخباري عربي عن صحيفة "وول ستريت جورنال" أن مسؤولين مصريين يشعرون بقلق من احتمال أن تُقدِم مؤسسات مالية دولية أخرى على تشديد الرقابة على تعاملاتها مع بنك مصر عمومًا، أو الحد منها، تحسبًا لمخاطر الامتثال، حتى في غياب عقوبات مباشرة على المقر الرئيسي بمصر، بحسب ما نقلته الصحيفة عن مصادر مطّلعة لم تكشف عن هويتها.
ولم تتوفر حتى إعداد هذا التقرير معلومات إضافية تفصيلية من مصادر مصرية رسمية أخرى حول حجم التداعيات المحتملة على تصنيف بنك مصر الائتماني أو على علاقاته مع بنوك المراسلة الدولية.
يأتي هذا التطور في وقت تعاني فيه مصر أصلًا من أزمة اقتصادية وضغوط حادة على العملة الأجنبية، إذ تُعدّ من أكثر اقتصادات المنطقة تأثرًا بالتصعيد الجيوسياسي المستمر منذ نحو ستة أشهر بين واشنطن وطهران، نظرًا لانعكاسه المباشر على أهم مصادر دخل البلاد من النقد الأجنبي: عائدات قناة السويس، والسياحة، وتحويلات العاملين المصريين في دول الخليج، وهو ما أشارت إليه تقارير عربية متعددة تناولت الملف.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك