تأجيل القمة السابعة لبحر قزوين يعيد أمن الممر المائي إلى واجهة الحسابات الإيرانية
caspian-summit-leaders-2018.jpg
في ظل تأجيل القمة السابعة لدول بحر قزوين، التي كانت طهران تخطط لاستضافتها في 12 أغسطس/آب الماضي تزامنًا مع اليوم العالمي لبحر قزوين، إلى موعد جديد في سبتمبر/أيلول 2026، عادت الخطوات الإيرانية الأخيرة لتضع ملف الأمن في هذا الممر المائي المغلق على رأس أولويات طهران، وسط تأكيدها المتكرر أن مسؤولية حماية أمن البحر يجب أن تبقى حصرًا بيد الدول الخمس المطلة عليه، دون أي دور لأطراف من خارج المنطقة.
قمة كان يُفترض أن تجمع بوتين وخامنئي
كانت الحكومة الإيرانية قد أعلنت عزمها استضافة الدورة السابعة من قمة بحر قزوين في طهران، في خطوة وصفها سفيرها لدى موسكو، كاظم جلالي، بأنها فرصة قد تجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وقال جلالي في تصريحات لوكالة "ريا نوفوستي" الروسية في أبريل/نيسان الماضي إن بلاده ماضية في التحضير للمؤتمر رغم استمرار حالة الحرب التي كانت تعيشها إيران آنذاك، مع التأكيد على أن انعقاده مرهون بالظروف الميدانية.
وكانت موسكو قد رحبت مسبقًا باستضافة طهران للقمة، إذ نقلت وكالة "إرنا" الرسمية عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ترحيبه باقتراح إيران، مشيرًا إلى أن اختيار تاريخ 12 أغسطس يحمل دلالة رمزية لتزامنه مع اليوم العالمي لبحر قزوين، المناسبة التي وُقّعت خلالها في طهران الاتفاقية الإطارية لحماية بيئة البحر من التلوث.
وسبق هذا التحضير عقد أول منتدى لمحافظي الأقاليم الساحلية لبحر قزوين في محافظة جيلان الإيرانية، يومي 18 و19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وهو حدث اعتبرته وسائل إعلام إيرانية خطوة مبتكرة في ما وصفته بـ"دبلوماسية المدن الساحلية"، واختُتم بدعوة لتشكيل فرق عمل مشتركة لمتابعة ملفات البيئة والاستثمار واللوجستيات.

بيد أن التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة، من هجمات أميركية وإسرائيلية استهدفت إيران منذ 28 فبراير/شباط الماضي فيما عُرف بـ"حرب الأربعين يومًا"، مرورًا بإعادة فرض حصار بحري أميركي وهجمات في مضيق هرمز أواخر أغسطس، أرخى بظلاله على الجدول الزمني للقمة، ودفعها إلى موعد جديد الشهر الجاري، بالتزامن مع مشاركة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك أول سبتمبر، حيث كان مقررًا أن يعقد لقاءه السادس مع بوتين هذا العام.
المصادقة المتأخرة على "اتفاقية الوضع القانوني"
يتقاطع هذا التأجيل مع خطوة إيرانية لافتة تكشف عمق التحول في مقاربة طهران لملف الأمن الإقليمي؛ إذ أحالت الحكومة الإيرانية أخيرًا مشروع قانون المصادقة على "اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين" إلى البرلمان، بعد مرور ثماني سنوات على توقيعها في قمة أكتاو الكازاخية عام 2018. وتبقى إيران، بحسب ما ذكرته صحيفة "القدس العربي"، الدولة الوحيدة من بين الدول الخمس التي لم تُتم بعد إجراءات التصديق النهائي على الاتفاقية، في حين استكملت أذربيجان وكازاخستان وروسيا وتركمانستان هذه الإجراءات.
وتنص الاتفاقية، التي أثارت إحالتها إلى البرلمان موجة جدل داخل إيران وحملة إلكترونية معارضة لها، على حظر قانوني صريح لوجود أي قوات مسلحة تابعة لدول غير مطلة على البحر داخل مياهه، كما تمنع أي دولة ساحلية من السماح باستخدام أراضيها من قبل طرف ثالث لشن أعمال عدائية أو عمليات عسكرية أو استخباراتية، بما في ذلك تحليق الطائرات المسيّرة أو إقامة قواعد عسكرية ضد أي من الدول الساحلية الأخرى.
وهذا البند تحديدًا هو ما تستند إليه طهران وموسكو منذ سنوات في تكرار موقفهما الرافض لأي وجود عسكري غربي أو أطلسي في محيط بحر قزوين، باعتباره، بحسب مراقبين، ركيزة قانونية تُبقي هذا الممر المغلق خارج نطاق أي رقابة بحرية دولية أو تحالفات لا تضم الدول الساحلية الخمس.
لماذا تتصاعد الحساسية الإيرانية تجاه أمن قزوين الآن؟
يربط مراقبون سياسيون بين هذا التحرك الإيراني المتسارع وبين سلسلة تطورات ميدانية أقلقت طهران بشأن احتمال استخدام واشنطن وتل أبيب لبحر قزوين في عمليات أو تهديدات ضدها، أبرزها الغارات الأميركية التي طالت موانئ ومدنًا إيرانية ساحلية على البحر خلال حرب الأربعين يومًا وما تلاها من أشهر متوترة. وقد تصاعد هذا القلق بشكل مباشر بعد أن استهدف الجيش الأوكراني، أواخر يوليو/تموز الماضي، سفينة شحن إيرانية في بحر قزوين كانت، بحسب ما أعلنته كييف، تنقل شحنات عسكرية من إيران إلى روسيا، ما أسفر عن مقتل بحار إيراني وإصابة ثلاثة آخرين. وقد أعقب الحادث تصريحات لمسؤول إيراني هدد فيها أوكرانيا بالرد على أي إجراءات مماثلة، في مؤشر على أن طهران باتت تنظر إلى حوادث البحر باعتبارها اختبارًا مباشرًا لقدرتها على حماية خطوطها الملاحية.
وتزداد الحساسية الإيرانية حيال هذا الملف نظرًا للدور المتنامي الذي بات بحر قزوين يؤديه بوصفه شريانًا بديلًا لطهران وسط الضغوط الأميركية المتصاعدة على مضيق هرمز؛ إذ أكدت السلطات الإيرانية أن أربعة موانئ إيرانية على البحر تعمل بشكل متواصل لاستقبال شحنات القمح والذرة والأعلاف والزيوت النباتية، في إطار إعادة توجيه الواردات الأساسية بعيدًا عن هرمز.
كما تفيد بيانات ملاحية روسية بارتفاع ملحوظ في حركة الشحن عبر الممر خلال الأشهر الأخيرة، مع تحويل جزء من صادرات الحبوب الروسية التي كانت تمر عبر البحر الأسود إلى هذا المسار، تفاديًا للمخاطر الأمنية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. وبحسب مسؤولين أميركيين نقلت تصريحاتهم تقارير غربية، فإن بحر قزوين تحوّل أيضًا إلى ممر تستخدمه روسيا لنقل مكونات طائرات مسيّرة ومعدات عسكرية إلى إيران، في وقت تسعى فيه طهران لتعويض خسائر تعرضت لها ترسانتها خلال المواجهات الأخيرة.
قزوين في قلب معادلة إقليمية متغيرة
يشير خبراء استراتيجيون إلى أن ما يميز بحر قزوين، بخلاف ممرات مثل هرمز أو البحر الأحمر أو البوسفور، هو غياب أي منافذ دولية خاضعة لرقابة بحرية تابعة لتحالفات غربية أو لحلف الأطلسي، بحكم كونه أكبر بحيرة مغلقة في العالم لا تتصل مباشرة بالمحيطات، ولا تخضع بالكامل لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بل تحكمها اتفاقية أكتاو لعام 2018 التي وقّعتها الدول الساحلية الخمس. هذا الإطار القانوني الخاص هو ما تسعى طهران إلى ترسيخه عبر المصادقة على الاتفاقية والدفع نحو عقد القمة السابعة، في محاولة لتحصين الممر من أي تدخل خارجي في مرحلة تتزايد فيها أهميته الاقتصادية والعسكرية لكل من إيران وروسيا على حد سواء.
ومع اقتراب موعد القمة الجديد في سبتمبر، وتزامنها مع لقاءات إيرانية-روسية رفيعة على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون، تبقى الأنظار متجهة نحو ما إذا كانت الدول الخمس ستتمكن هذه المرة من عقد القمة فعليًا وسط أجواء إقليمية ما زالت مشحونة بالتوتر، وما إذا كانت المصادقة الإيرانية المرتقبة على اتفاقية الوضع القانوني ستمنح طهران غطاءً قانونيًا أكثر صلابة لموقفها بشأن حصر أمن بحر قزوين بيد الدول المطلة عليه فقط.
#caspian_sea
#summit-postponed
#iran-security
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك