من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

بركة أرشي.. آخر معاقل تماسيح الصحراء الكبرى في تشاد وملتقى قوافل الإبل في هضبة إنيدي

نجامينا : " نقاش "
بركة أرشي.. آخر معاقل تماسيح الصحراء الكبرى  في تشاد وملتقى قوافل الإبل في هضبة إنيدي



في قلب الصحراء الكبرى، وسط جدران صخرية شاهقة من الحجر الرملي، تختبئ واحدة من أغرب الظواهر الطبيعية في العالم: بركة مائية دائمة تعج بمئات الجمال يومياً، ويسكن مياهها الداكنة عدد ضئيل من آخر تماسيح الصحراء على قيد الحياة.

الموقع والتكوين الجغرافي

تقع بركة أرشي (Guelta d'Archei) في هضبة إنيدي، شمال شرق تشاد، جنوب شرق بلدة فادا، وتُعد من أشهر "القلتات" (البرك الصحراوية الدائمة) في الصحراء الكبرى. يشق الوادي طريقه عبر صخور الحجر الرملي في شمال شرق تشاد، وتتكون التسمية من كلمة "قلتة" وهي اللفظ الشمال إفريقي الذي يطلق على البركة الصحراوية.



الوصول إلى الموقع بالغ الصعوبة، إذ لا تخدمه طرق معبدة، ويستغرق الوصول إليه نحو أربعة أيام بسيارات الدفع الرباعي انطلاقاً من العاصمة نجامينا. وبحسب موقع "أفريكا جيوغرافيك"، تصل تكوينات الحجر الرملي الحمراء في هضبة إنيدي إلى ارتفاع يتجاوز 100 متر فوق رمال الصحراء، ونظراً لغياب الطرق والبنية التحتية، لا يزور المنطقة سوى بضع مئات من السياح سنوياً. 

معجزة بيئية: مياه من عصر آخر

اللافت أن هذه البركة ليست وليدة الأمطار الحالية؛ فبحسب تقرير حديث، تُغذَّى مياه القلتة من مخزون جوفي قديم تشرّب في الصخر منذ أن كانت الصحراء الكبرى إقليماً تكسوه البحيرات والأنهار، قبل زمن طويل من عبور الجمال أو الرعاة لها. أما اللون الداكن المميز للمياه، فمصدره -بحسب الموقع نفسه- تراكم فضلات آلاف الجمال والماعز التي تفد للشرب على مدى عقود طويلة، وليس عمق المياه. 

آخر تماسيح الصحراء الكبرى

تحتضن البركة نوعاً من التماسيح يُعرف بتمساح غرب إفريقيا (Crocodylus suchus)، الذي كان يُعتقد حتى وقت قريب أنه مرادف لتمساح النيل.



وتشير الأدلة العلمية إلى أن وجود هذه الزواحف في قلب الصحراء ليس عرضياً، إذ تثبت بقايا من العصر الهولوسيني الأوسط، إضافة إلى رسوم صخرية، أن هذا النوع كان منتشراً في معظم أنحاء الصحراء الكبرى الحالية، وفي مستنقعات وأنهار على امتداد السواحل الجنوبية للمتوسط. 

اليوم، تمثل المجموعة الصغيرة الناجية في بركة أرشي إحدى آخر المستعمرات المعروفة لهذا النوع في الصحراء الكبرى، بعد أن انقرضت على الأرجح مستعمرة هضبة تاكانت في موريتانيا منذ عام 1996.

وتشير تقديرات إلى أن أعداد هذه التماسيح محدودة جداً، إذ لا يتجاوز عددها نصف دزينة من التماسيح القزمة النادرة رغم أن طول البركة لا يتجاوز 200 متر ولا يوجد مصدر مياه آخر على مسافة كيلومترات. وبحسب مصدر آخر متخصص في الرحلات الاستكشافية، تراجعت أعداد هذه التماسيح إلى نحو 8 أو 10 أفراد فقط، ولم تُرصد صغار منها منذ سنوات طويلة، ما يثير تكهنات بأن المجموعة المتبقية قد تكون كلها من جنس واحد (ذكور أو إناث)، وهو ما قد يحكم عليها بالانقراض مستقبلاً. 

ويعتمد بقاء هذه التماسيح على سلسلة غذائية غريبة نشأت بفعل الجمال ذاتها، إذ تتغذى التماسيح على الأسماك التي تعيش بدورها على الطحالب المزدهرة بفعل مياه مخصبة بروث الجمال.

ومن الناحية العلمية، يبقى وضع هذا النوع غامضاً رسمياً، إذ لم يحصل تمساح Crocodylus suchus حتى الآن على تصنيف رسمي ضمن القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة رغم مرور أكثر من عقد على الاعتراف به كنوع منفصل، فيما اندثرت بالفعل بعض التجمعات الصحراوية الأخرى لهذا النوع. 

ملتقى قوافل الإبل

لا تزال البركة حتى اليوم محطة حيوية للبدو  الرحل وقوافلهم؛ فهي المصدر المائي الدائم الوحيد في المنطقة، وغالباً ما تشهد اجتماع مئات الجمال للشرب منها في وقت واحد وسط أخدود صخري شاهق تتردد فيه أصداء خوار الجمال على الجدران الصخرية.

وقد وثّق مصورون أستراليون هذا المشهد ميدانياً، حيث ذكروا أن القلتة تجذب مئات المسافرين الصحراويين الراغبين في إراحة جمالهم وماعزهم وتجديد مخزون المياه، وأن قوافل مفردة تضم ما يصل إلى 200 جمل تصل إلى الموقع بانتظام.

وذكر أحد المصورين أنه استأجر طائرة "سيسنا" صغيرة رباعية المقاعد للوصول إلى المنطقة والخروج منها نظراً لصعوبة الطرق البرية. 

وتنتمي المنطقة إلى نطاق نفوذ قبائل التوبو (Tubu)، الذين يُتوقع لقاؤهم في طريقهم إلى المراعي مع جمالهم أو أثناء استقائهم الماء من الآبار، إلى جانب مجموعاتهم الصغيرة من الخيام المنتشرة في المنطقة.

كما تضم البركة كائنات أخرى غير التماسيح والجمال، إذ يمكن للزائر أن يشاهد أيضاً الضفادع والظباء الصحراوية. 

إرث حضاري يمتد آلاف السنين

لا تقتصر أهمية الموقع على الجانب الطبيعي، فالمنحدرات الصخرية المحيطة بالبركة تحمل رسوماً صخرية يعود تاريخها إلى العصر الهولوسيني الأوسط، وتشهد على عراقة هذه البركة وقدمها.

وعلى نطاق أوسع، تضم هضبة إنيدي بأكملها -وهي موقع مصنف ضمن التراث العالمي لليونسكو لقيمتها الطبيعية والثقافية معاً- آلاف الرسوم والنقوش الصخرية التي تصور الماشية والحيوانات البرية وأشكالاً آدمية على امتداد الجروف والملاجئ الصخرية، ويعود كثير منها إلى آلاف السنين.


#guelta

#archei-ennedi

#chad

#crocodiles

#camels

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10918
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.