مهرجان القاهرة التجريبي يستعيد مشوار عوني كرومي وكيف تحول وسيط الثقافات إلى جسر للمعرفةوالمسرح الإنساني
احتفى مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، بالتجربة الاستثنائية للمخرج والباحث والأكاديمي العراقي الراحل عوني كرومي (1945 - 2006)، وذلك في ندوة حاشدة أقيمت تحت عنوان «رد الجميل» بمناسبة مرور عشرين عامًا على رحيله في برلين. وأدار الندوة المسرحي والناقد العراقي بشار عليوي، بمشاركة نخبة من النقاد والباحثين العراقيين والمصريين، من بينهم الدكتور محمد سيف، والدكتور رياض موسى سكران، والدكتور نورس عادل، إلى جانب جبار جودي نقيب الفنانين العراقيين، والدكتور سامح مهران رئيس المهرجان، لتشكل الجلسة إعادة قراءة دقيقة لمنجز كرومي الفكري والفني وتفكيكًا لمفهوم «وسيط الثقافات» الذي ارتبط باسمه.
وفي مستهل الندوة، أكد بشار عليوي أن الاجتماع اليوم لاستعادة أثر كرومي لا يقوم على العاطفة مجردة، بل يستند إلى قراءة نقدية متأملة لمسيرة أثرت في أجيال متعاقبة. وأوضح عليوي أن كرومي لم يكن «وسيطًا للثقافات» لمجرد أنه تنقل بين بغداد وبرلين، بل لأنه جعل المعرفة تتحرك بحرية بين الفضائين؛ فعند عودته إلى العراق لم يفصل الدرس الأكاديمي عن المختبر العملي، وحوّل القاعات إلى ورش تدريبية تربط النظرية بالممارسة. وعندما انتقل مجددًا إلى ألمانيا، لم يرتضِ بالمنفى مكاناً للعزلة، بل اتخذه مساحة للحوار الحضاري، مستفيدًا من مشاريع مسرحية كبرى مثل «طريق الحرير» مع مسرح الرور لنقل عمق المسرح العربي إلى أوروبا، وتعريف الجمهور العربي بالممارسة البريختية الواعية.

ومن جانبه، استعاد الناقد والباحث الدكتور محمد سيف ملامح المدرسة العراقية الرائدة، مؤكدًا أن كرومي امتداد لجيل الآباء المؤسسين الذين كرسوا المسرح بوصفه علاقة إنسانية في المقام الأول. وأشار سيف إلى أن طريقة إدارة كرومي للعروض كانت تشبه المختبرات الأوروبية الحديثة، حيث يتساوى المخرج والممثل والسينوغراف في صياغة العمل، مشددًا على أن وصف كرومي بـ «المخرج البريختي» يحتاج إلى دقة نقدية؛ فهو لم ينسخ تجربة بريخت بأسلوب أجنبي، بل أعاد صياغة مفاهيمها وفق أسئلة البيئة العراقية وسياقها المعرفي، كما تجسد في أعماله «السيد والعبد» و«غاليلو» و«طبل الغرام».
وعن البعد الوجداني والفلسفي في تجربة الراحل، قدم الدكتور رياض موسى سكران ورقة بعنوان «فتى الترنيمة يفترض التحليل»، أشار فيها إلى أن روح كرومي ظلت مسكونة بالحنين العراقي وبأسئلة الإنسان الوجودية. وأوضح سكران أن ميل كرومي للتجريب بدأ في سن مبكرة حين أصدر بيانًا مسرحيًا يدعو للتمرد على القوالب التقليدية، وهو ما انعكس في عروضه التاريخية مثل «أنشودة العمل»، ومسرحية «الذباب والبرغوث» التي ألغت الخشبة وجعلت الجمهور يجلس على الأرض، وصولاً إلى عرض «صراخ الصمت الأخرس» عام 1986 الذي مزج بين الرمزية والعبثية ليعكس عزلة الإنسان واغترابه تحت وطأة الحرب والتكنولوجيا.
وفي السياق ذاته، نقل الدكتور نورس عادل رسالة محبة وامتنان من «رؤى» ابنة الراحل عوني كرومي إلى المسرحيين والشعب المصري لإعادة التفكير في تاريخ الكبار. واستعرض عادل طبيعة المشروع الاستراتيجي لكرومي الذي سعى من خلاله لإنشاء «مسرح الأكثرية»، متعاليًا على الأطر الكاريزمية المغلقة بالاعتماد على اللهجة الشعبية وأشعار شعراء كبار مثل عريان السيد خلف. وأضاف أن كرومي مارس دور «المخرج الدراماتورج» باقتدار؛ إذ تميز بقابلية تفكيك النصوص العالمية وتوطينها في البيئات المحلّية، مثلما فعل في عرض «البرجوازي الصغير» بدبي ودمشق، وعرض «ترنيمة الكرسي الهزاز» في بغداد، وصولاً إلى عمله «مش عيون حزام» الذي قدمه في مصر متكاملاً مع سياقها الثقافي.

فيما ركز الدكتور جبار جودي، نقيب الفنانين العراقيين، على التنوع الأسلوبي الذي ميز مسيرة كرومي، مشيرًا إلى أن أهم ما يعكس عبقريته الإخراجية هو رفضه التكرار؛ فكل عرض قدمه كان ينطوي على هوية مستقلة وحلول سينوغرافية مغايرة تمامًا لما سبقه، سواء في تجاربه الأكاديمية مثل «تساؤلات مسرحية»، أو في عروضه الجماهيرية الكبرى مثل «الإنسان الطيب في ستشوان» التي جمعت قمم المسرح العراقي.
واختُتمت الندوة بتعقيب من الدكتور سامح مهران، رئيس المهرجان، استعاد فيه الذكريات التاريخية التي جمعت المسرح المصري بالرموز العراقية، مؤكدًا أن مسرح «الهناجر» بالقاهرة في عصره الذهبي احتضن أعمال ثلاثة من أهم المخرجين العراقيين هم جواد الأسدي، وعوني كرومي بعرضه «مأساة الحلاج»، وقاسم محمد بعرض «منطق الطير». وشهد مهران على عمق أثر كرومي الإنساني والفكرية، مؤكدًا أن الاحتفاء به في القاهرة اليوم هو ترسيخ طبيعي لجسور التواصل الثقافي والفني الممتدة بين مصر والعراق.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك