الثروة الشجرية المعمرة
تُعد عمليات إزالة الأشجار المعمرة في شوارع أحياء الجيزة العريقة—مثل الدقي والمهندسين وجامعة الدول العربية والعجوزة وصولاً إلى فيصل والهرم—حدثاً يستوجب الوقوف عنده بحزم، إذ يتجاوز المشهد حدود التغيير البصري أو التطوير الحضري ليصل إلى الخلل بتوازن بيئي وهيدرولوجي تشكّل على مدار عقود طويلة، فهذه الأشجار ليست مجرد مظاهر جمالية تزين الطرقات، بل هي منظومات حيوية متكاملة ضربت جذورها العميقة في التربة الطينية لسنوات طوال، حتى أسست لنفسها نمط بقاء مستدام يعتمد على التغذية الذاتية دون تحميل المرافق العامة أي أعباء إضافية.
تتحدد القيمة الفنية لهذه الأشجار التاريخية في طبيعة التربة المصرية التي بُنيت عليها هذه الأحياء، حيث تتواجد طبقة المياه الجوفية السطحية على عمق يتراوح بين متر ونصف ومترين ونصف المتر فقط من سطح الأرض.
وقد مكنت العقودُ المتعاقبة الأشجارَ المعمرة من مد جذورها رأسياً حتى وصلت إلى تلك الطبقة المائية الغنية بالعناصر الغذائية الذائبة من طبقات الطين المحيطة بها، مما جعلها تشرب وتتغذى ذاتياً دون حاجة لعمليات ري تقليدية. ومن ثم فإن اقتلاع هذه الأشجار يُعد تفكيكاً لنظام هيدرولوجي كافٍ بذاته، ومجاناً، ولا يستهلك الموارد المائية للبلاد.
ومن ناحية أخرى فإن طرح خيار إحلال هذه الأشجار بشتلات حديثة يحمل في طياته تبسيطاً مخلّاً للواقع الهندسي والبيئي؛ فاستبدال الأشجار العملاقة الخضراء بشتلات صغيرة ذات جذور لا تتجاوز ربع المتر يعني إقحام الجهاز التنفيذي في دوامة لوجستية واقتصادية ممتدة. ستستوجب هذه الشتلات تدخلاً مستمراً عبر سيارات الري بمعدل مرتين أسبوعياً وعلى مدار عشر سنوات متواصلة على الأقل، وهي الفترة الكافية لكي تتعمق الجذور تدريجياً وتصل إلى طبقة المياه الجوفية السطحية، يضاف إلى ذلك احتمال فقدان وموت نحو 25% من هذه الشتلات بسبب سوء الرعاية الميدانية أو التغيرات المناخية. أما القول بنقل أشجار كبيرة يافعة فيُعد نقلًا للأزمة لا حلاً لها، لأنه يعتمد على اقتلاع أشجار من مواقع أخرى لزرعها في شوارع الجيزة، ناهيك عن الندرة الشديدة للأشجار اليافعة المناسبة في المشاتل القريبة.
إن هذه القرارات الميدانية تكشف عن خلل أكبر يتعلق بالرؤية الإدارية للملف البيئي في البلاد. فالتحذير المبكر من خطورة دمج أو خلط مهام وزارة البيئة مع وزارة التنمية المحلية يجد مصداقيته في مثل هذه الأزمات؛ إذ تُعد وزارة البيئة كياناً سيادياً واستراتيجياً في العالم الحديث، وتتركز مهمتها في صيانة التنوع البيولوجي، ومواجهة آثار التغير المناخي، والحفاظ على الغطاء الأخضر باعتباره سر الحياة والتوازن البيئي.
وعلى الضفة الأخرى، تنهمك وزارة التنمية المحلية في إدارة المصالح اليومية والخدمات المباشرة لأكثر من 110 مليون مواطن، وهو ما يجعل القرارات البيئية الاستراتيجية عرضة للتهميش أمام ضغوط الحلول العمرانية السريعة والاحتياجات المعيشية اليومية.
إن الحفاظ على الثروة الشجرية المعمرة في أحياء مصر العتيقة لا يعكس رفاهية بيئية، بل هو ضرورة هيدرولوجية واقتصادية وأمن قومي مناخي. ويمر المخرج من هذه الأزمة عبر إعادة الاعتبار للملف البيئي كملف سيادي مستقل يملك سلطة التوجيه والرقابة، وإلزام المخطط العمراني بتطوير البنية التحتية حول هذه الأصول الطبيعية التاريخية بدلاً من استسهال اقتلاعها، حمايةً لما تبقى من شرايين الخضرة وتوفيراً لموارد الدولة ومستقبل أجيالها.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك