من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ناطحات سحاب من الصخر.. "دار الشيخ الجماعي" في بعدان تحفة المعمار اليمني فوق الغمام

خالد شحاتة
ناطحات سحاب من الصخر..


​في قرية ذكارة بمحافظة إب، يقف هذا الصرح الحجري شاهداً على هندسة الأجداد التي سبقت أبراج العالم الحديثة بأبنيتها الدفاعية والجمالية المذهلة.

​بعيداً عن الغابات الخرسانية والأبراج الزجاجية التي تتنافس عليها عواصم العالم الحديث، تقف في أعالي جبال بعدان بمحافظة إب اليمنية تحفة معمارية استثنائية تختصر تاريخاً عريقاً من الهندسة اليمنية الأصيلة: إنها "دار الشيخ الجماعي" في قرية ذكارة بـ "عزلة المنار".

​في هذه البقعة المرتفعة من "اللواء الأخضر"، لا تُقاس العظمة بصفائح الصلب أو الارتفاعات الرقمية المجردة، بل بالاندماج الكامل بين الإنسان الطبيعة، حيث يتسامق هذا البرج الحجري وكأنه نبت طبيعي امتد من صخور الجبل ليعانق السحاب.

​موقع استراتيجي في أحضان "بعدان"

​تكتسب "دار الشيخ الجماعي" فرادتها من موقعها الجغرافي والاستراتيجي؛ إذ تقع ضمن مديرية بعدان التي يتراوح ارتفاع جبالها بين 2500 إلى 3000 متر عن سطح البحر.

​تتميز المنطقة بالطبيعة الخضراء والمناخ الماطر طوال الصيف، مما جعل هذا المعمار يكتسي بشريط نباتي ناضر عند قاعدته الصخرية، مع إطلالة بانورامية كاشفة لكافة أودية ومنافذ عزلة المنار، وهو ما يمنح الدار بعداً أمنياً وعسكرياً تاريخياً إلى جانب وظيفتها السكنية والاجتماعية.

​عبقرية البناء:

هندسة حجرية تتحدى الزمن

​تُعد الدار نموذجاً حياً لما يُعرف تاريخياً بـ "ناطحات السحاب الحجرية" التي انفرد بها اليمنيون منذ مئات السنين، وتتجلى في تصميمها عدة خصائص معمارية وهندسية فريدة:

​التأسيس على الصخر الحي:

بُنيت الدار مباشرة على قاعدة صخرية صلبة دون الحاجة لأساسات حديثة، حيث تم اقتطاع وتجهيز الأحجار السفلية لتتداخل مع الجبل مباشرة، مما منحها ثباتاً أسطورياً أمام الزلازل وعوامل التعرية.

​الأحجار المحلية والتقسيم الطبقي:

استُخدمت في البناء أحجار الجرانيت والبازلت الصلبة المُقطّعة يدوياً (الحبش)، مع تدرج سمك الجدران؛ حيث تكون الجدران السفلية أكثر سمكاً ومتانة لتتحمل الأوزان الهائلة للطبقات العليا.

​النظام الدفاعي المحكم:

تتميز الواجهات السفلية بقلة المنافذ وكبر حجم الأحجار لمنع أي اختراق، بينما تتوزع في الأدوار العليا النوافذ والفتحات الدقيقة (المرامي) للتبريد، وللإشراف الدفاعي على المحيط الخارجي.

​الاستدامة والتهوية الطبيعية:

توفر الجدران الحجرية السميكة عزلاً حرارياً طبيعياً؛ حيث تحتفظ بالدفء شتاءً وبالمناخ المعتدل صيفاً، مع الاستفادة من حركة الرياح الجبلية عبر الفتحات الموجهة بدقة.

​الأبعاد الاجتماعية والتاريخية لـ "الدار"

​لم تكن "دار الشيخ الجماعي" مجرد وحدة سكنية للمعيشة، بل مثّلت على مر العقود مركزاً قيادياً وإدارياً في المنطقة:

​مقر إدارة الشؤون المحلية:

كانت الدار تُستخدم كمجلس لعقد الصلح القبلي، وفض النزاعات، وإدارة شؤون قرية ذكارة والقرى المجاورة في عزلة المنار.

​صومعة لحفظ المخزون الاستراتيجي:

تحتوي الطوابق السفلية (أو ما يُعرف بالمدافن والأنبار) على مخازن واسعة للحبوب والمواد الغذائية والمياه، لضمان الاكتفاء الذاتي للقرية في أوقات الجفاف أو الحصار.

​رمز للهوية والانتماء:

تعكس الدار مكانة الأسرة الاجتماعية وقدرة المجتمع المحلي على التكافل والاستفادة من الموارد البيئية المتاحة لبناء صروح معمرة.

​شواهد حضارية تستحق حماية التراث

​إن التنسيق المعماري الذي تظهره "دار الشيخ الجماعي" يضعها في مصاف المعالم الوطنية التي تتطلب اهتماماً ورعاية للحفاظ على قيمتها الأثرية. ومع تزايد الاهتمام العالمي بأساليب البناء المستدام والعودة إلى المواد الطبيعية، تبرز هذه الدار كدليل حي على أن اليمنيين كانوا رياديين في هذا المجال قبل قرون طويلة.

​تظل  "دار الشيخ الجماعي" في بعدان أكثر من مجرد معلم حجري؛ إنها وثيقة تاريخية تجسد كبرياء الجبل اليمني، وقصة إبداع صاغها الأجداد بالحجر والجهد، لتبقى حكاية شامخة تُحكى لكل من يزور جبال إب الخضراء.

#نقاش_دوت_نت 



التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10930
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.