من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ليديا " رواية " . . الفصل الأول

بقلم - عادل التوني
ليديا


لعيونها..


كلما هممتُ بالشروع في كتابة جزءٍ جديد من "ليديا"؛ ينتابني شعورٌ غريب، كأن موعدًا قد ضُرب بيني وبينها، لم أكن أجلس إلى مكتبي لأكتب؛ بل كنت أتهيأ للقاء، لقاء نمشي فيه معًا بين شوارع الإسكندرية، نتسكع بلا وجهة، نجلس على مقعدٍ يطل على البحر، أو في مقهى قديم يحتضن حديثًا لا ينتهي.


ولهذا، كنتُ أتعامل مع الكتابة كما لو كانت خروجًا حقيقيًا، أرتدي ما يليق بنزهةٍ في المدينة، وأحرص أن يكون في جيبي ما يكفي لثمن فنجان قهوة، أو حبة بطاطا مشوية، أو كتابٍ قديم أصادفه في أحد أكشاك شارع النبي دانيال، كنت أريد أن أكون مستعدًا لكل ما قد تقترحه عليَّ ليديا، حتى وإن كانت مجرد شخصيةٍ تسكن الورق.


لم تكن "ليديا" روايتي الأولى فحسب؛ بل كانت أول رحلةٍ أدركت فيها أن بعض الشخصيات لا نكتبها، بل تعيد هي كتابة شيءٍ في أرواحنا، كانت كل صفحة موعدًا، وكل فصل لقاءً، وكل كلمة خطوةً جديدة في مدينةٍ أحببتها لأن ليديا كانت تسير فيها.

ولعل أجمل ما في تلك الرحلة أنني، كلما انتهيت من كتابة فصل، تمنيت ألا أصل إلى الذي يليه، لأن الاقتراب من النهاية كان يعني الاقتراب من الوداع.


لكن، كما هي الحياة... وكما هي الحكايات الجميلة...

لكل شيءٍ بداية... ولكل شيءٍ نهاية.


وإلى كل قارئٍ سيصحبني في هذه الرحلة، أقول:

تقبّلوا "ليديا" كما هي؛ بلغتها التي قد تصيب وقد تخطئ، وبأسلوبها الذي يحمل من العفوية بقدر ما يحمل من المحبة، وبفنياتها التي ربما تكتمل في مواضع، وتتعثّر في أخرى، فما كتبتها يومًا لأقدّم روايةً تبحث عن الكمال، بل كتبتها لأروي حكايةً عشتها بقلبي قبل أن أكتبها بقلمي.


 "ليديا" ليست روايةً كُتبت لتُباع، بل روايةٌ كُتبت لتبقى... ولتُعاش.... ولعلها تجد في قلب قارئٍ ما ... المكان الذي وجدته يومًا في قلبي.

عادل التوني




المكالمة:

رنّ الهاتف في صباح يوم أحد هادئ، كانت الساعة تقترب من العاشرة، والشمس قد ملأت الغرفة بدفء خريفي لطيف. 

كنت أجلس على مقعدي المفضل قرب النافذة، أتأمل أوراق الشجر وهي ترقص مع نسمات الصباح، وفنجان القهوة يدخن بين يديّ. لا شيء يوحي بأن هذا اليوم سيكون مختلفاً، ولا أن ذاكرة مؤجلة منذ ربع قرن على وشك أن تستيقظ من سباتها.

على الطرف الآخر من الخط، كان صوت صديقتي الروائية نانسي، صوت تعودت على سماعه في أوقات متأخرة من الليل غالباً، حين نتجاذب أطراف الحديث عن الكتابة والحياة والأحلام القديمة. 

لكن اليوم مختلف، فالصباح ليس وقتها المعتاد.

- صباح الخير .. نانسي.

- صباح الخير أستاذنا.. كيف الحال؟ 

- الحمدلله بخير.. اليوم الأحد عطلتك، قلت أحدثك.

- تحت أمر حضرتك في أي وقت، أنا دايمًا مبسوطة بسماع صوتك.

ابتسمتُ، أعرف أنها صادقة، بيننا صداقة أدبية قديمة، صداقة نسجتها الكلمات والروايات وسهرات الحديث عن الشخصيات التي نخلقها فتصبح حقيقية أكثر من الواقع أحياناً.

- هل تستطيعين كتابة قصة مررت بها منذ زمن؟

ساد الصمت للحظة على الخط، كنت أسمع أفكارها تدور، تعرفني جيداً، وتعرف أنني لا أطلب مثل هذا الطلب عبثاً، ثم جاء صوتها، وفيه فضول الكاتبة الحقيقي، فضول من (شمّت) رائحة حكاية:

- أتريد كتابة قصتك أستاذنا؟

ضحكت بهدوء.. 

- جميل، احكِ، أنا الآن أستمع لك، وعدني ألا تحذف شيئاً، ولا تجمّل شيئاً".

"الحكايات الحقيقية لا تحتاج تجميلاً أستاذنا"

أخذت نفساً عميقاً، شعرت بشيء يتحرك في صدري، شيء كان نائماً طويلاً، وضعت فنجان القهوة جانباً، نظرت من النافذة إلى السماء البعيدة.

هكذا أريد بداية قصتي... بمحادثتك أنتِ، بمكالمة صباح يوم أحد، ثم أمضي إلى حيث كانت البداية الحقيقية...

صمتُّ برهة.. كانت صديقتي صامتة أيضاً، تنتظر. ثم بدأت:

لم تكن الحكايات تُنسَج على لوحات مفاتيح باردة، بل كانت تُحاك على أرصفة البحر، وفي عربات القطار المزدحمة، وفي نظرة عابرة تخترق زجاج نافذة أوتوبيس متهالك، لتستقر في القلب إلى الأبد.


***

الفصل الأول

دقائق غيّرت العُمر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك لحظات تمر في حياة الإنسان كأنها عابرة، ثم يكتشف بعد سنوات أنها كانت بداية كل شيء.

كلما عدت بذاكرتي إلى ذلك اليوم، أدركت أن القدر لا يطرق الأبواب بصخب، بل يتسلل إليها بهدوء، في هيئة مقعد شاغر داخل حافلة، أو نظرة خاطفة لا تستغرق سوى ثانية، لكنها تغيّر حياة كاملة.

كنت طالبًا جامعيًا في القاهرة، أستعد للمشاركة في مؤتمر أدبي تنظمه جامعة الإسكندرية. 

لم يكن الأمر بالنسبة إليّ أكثر من رحلة علمية أهرب بها قليلًا من رتابة الدراسة وضجيج المدينة، ولم يخطر ببالي أنني سأعود منها إنسانًا آخر.

غادرت الحافلة القاهرة مع خيوط الفجر الأولى، كان الركاب ما بين نائم ومنشغل بحديث جانبي، بينما كنت أراقب الطريق الممتد أمامنا، وأحاول أن أراجع الكلمة التي أعددتها للمؤتمر.

توقفت الحافلة في إحدى المحطات القريبة جدًا من الإسكندرية، وصعدت مجموعة من الطالبات المشاركات في المؤتمر.

عندها... رأيتها.....

لم تكن الأجمل بينهن بالمعنى التقليدي، لكنها كانت الأكثر حضورًا. 

فتاة في أوائل العشرينات، بشعر أسود ينسدل بهدوء على كتفيها، وعينين واسعتين تحملان شيئًا يصعب تفسيره؛ مزيجًا من البراءة والثقة والحزن الخفيف.

بحثت بعينيها عن مقعد، ثم جلست غير بعيد عني.

عدت إلى أوراقي متظاهرًا بالانشغال، لكنني كنت أرفع بصري إليها بين الحين والآخر، وأخفضه سريعًا كلما خشيت أن تلتقي أعيننا.

مع مرور الطريق، اكتشفت أنها كانت تفعل الشيء نفسه.

ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها عندما التقت نظراتنا لأول مرة، ثم أشاحت بوجهها في خجل.

كانت ابتسامة عابرة، لكنها أصابت قلبي إصابة لم يشف منها حتى اليوم

لم نتبادل كلمة واحدة ماتبقي من دقائق رحلتها.

كان الصمت يتحدث عنا أفضل مما كانت ستفعل الكلمات.

وصلنا إلى الإسكندرية قبيل الظهيرة.

امتلأت المحطة بالحركة والضجيج، وبدأ الجميع في النزول حاملين حقائبهم.

تعمدت أن أكون آخر من يغادر الحافلة، لا لسبب سوى أنني أردت أن أطيل تلك اللحظات المرتقبة الغامضة.

عندما نزلت، وجدتها تقف مع صديقاتها على الرصيف.

كانت تنظر نحوي.

شعرت بأن عليّ أن أفعل شيئًا، وإلا سأندم بقية حياتي.

اقتربت منها بخطوات مترددة، ومددت يدي قائلًا بصوت لم أتعرف إليه من شدة الارتباك:

- أنا... اسمي....  

لم أستطع إكمال الجملة.

ابتسمت ومدت – عينيها - بثقة هادئة.

- وأنا ليديا.

صافحتها... حتى خُيّل إليّ أن عينيها هما من صافحت. 

وفي لحظة نادرة، تختصر مصافحة واحدة الطريق إلى سنوات من الحكايات

كانت يدها باردة رغم حرارة الصيف، ناعمة وخفيفة، كأنها تخشى أن تثقل على أحد

تركت يدها يدي بعد لحظات قصيرة، لكنها تركت شيئًا آخر بقي معي إلى اليوم.

قالت وهي تشير إلى حقيبتي:

- واضح إنك جاي المؤتمر الأدبي؟

ابتسمت.

- أيوه... أول مرة أزور الإسكندرية.

قالت بحماس طفولي:

- يبقى أنت محظوظ.

سألتها ضاحكًا:

- "ليه؟"

- لأنك هتشوف المدينة بعين حد بيحبها.

" وقبل أن أنطق بكلمة"

تدخلت إحدى صديقاتها، وكانت تُدعى ريم.

- ليديا من اللجنة المنظمة للمؤتمر، وهتفضل مع الوفود طول الأيام الجاية.

نظرت إليها بدهشة.

- يعني هنقابل بعض تاني؟

ابتسمت بخجل.

- لو حضرت جلسات المؤتمر... أكيد ... "هنتقابلوا كلنا".

خرجنا من المحطة في اتجاه شارع فؤاد

كانت الإسكندرية بالنسبة إليّ مدينة قرأت عنها كثيرًا، لكنني لم أعرفها حقًا إلا وهي تسير بجواري كالمرشد السياحي.

و تشير إلى المباني القديمة، وتحكي عن تاريخها كما لو كانت تتحدث عن أفراد عائلتها

توقفت أمام مبنى أثري وقالت:

- كل حجر هنا عنده حكاية.

ثم نظرت إليّ وسألت:

- بتحب الأدب؟

أجبت:

- بحاول أفهم الحياة من خلاله.

ابتسمت ابتسامة واسعة.

- "يبقى هنفهم بعض."

ومنذ تلك اللحظة، صار الحديث بيننا أسهل من الصمت.

حدّثتني عن دراستها للأدب الإنجليزي، وعن عشقها لشعراء الرومانسية. 

كانت تتحدث بشغفٍ يهب الكلمات روحًا، حتى خُيّل إليّ أنها لا تستعيد ما قرأته، بل تستحضر عالمًا عاشته.

وحين اعترفت لها بأن معرفتي بالأدب الإنجليزي محدودة، قالت:

- يبقي أكيد يتحب نزار 

كويس جدًا... إن عندك متعة الاكتشاف.

توقفنا أمام مقهى قديم يطل على الشارع.


قالت:

- عندك وقت نشرب شاي؟

وافقت فورًا، رغم أنني كنت سأوافق لو اقترحت أن نمشي بلا هدف حتى المساء!

جلسنا متقابلين.

كان هذا أول لقاء أجلس فيه وحدي مع فتاة لا تربطني بها معرفة سابقة، لذلك بدا

ارتباكي واضحًا.

أما هي، فكانت تتحدث ببساطة جعلت التوتر يتلاشى تدريجيًا.

حدثتني عن والدها، المحامي المعروف في الإسكندرية، وعن والدتها التي رحلت وهي في الخامسة عشرة من عمرها.

وعندما ذكرتها، انخفض صوتها قليلًا.

لم تستدرج الشفقة، ولم تحاول إخفاء ألمها.

كانت فقط تتذكر.

ثم رفعت رأسها وقالت:

- وأنت؟

- أنا ! 

حكيت لها عن أسرتي في القاهرة، وعن والدي الموظف البسيط، ووالدتي التي كانت تساعد الأسرة بخياطة الملابس، وعن حلمي بأن أصبح كاتبًا.

كانت تنصت باهتمام حقيقي.

ولم تقاطعني مرة واحدة، على الرغم من مقاطعتي لها.

وعندما انتهيت، قالت بهدوء:

  - في عينيك إصرار... الناس اللي زيك بتوصل.

لم تكن جملة كبيرة.

لكنها كانت أول مرة أشعر فيها أن أحدًا يراني كما أريد أن أكون، لا كما أنا فقط.

مر الوقت أسرع مما تمنيت. 

وقفت استعدادًا للرحيل....

قالت وهي تخرج ورقة صغيرة

- هذه أرقام هاتفي، ولو احتجت أي شئ في الإسكندرية، كلّمني في أي وقت. 

أخذت الورقة وأنا أحاول إخفاء فرحتي، ودهشتي في آن واحد.


ثم قالت بابتسامة:

- "وبالمناسبة... بكرة بعد المؤتمر، هوريك المدينة الحقيقية".

سألتها: 

  - والإسكندرية اللي شفتها النهارده؟

ابتسمت:

- "دي كانت مجرد المقدمة".

" افترق جسدانا، لكننا لم نفترق حقًا؛ فقد حمل كلٌّ منا قلب الآخر ومضى"

سرت وحدي في الشارع، ولم أعد أشعر أنني وحدي.

أحمل في جيبي أرقام هاتفها.

وفي قلبي بداية حكاية.

لم أكن أعلم أن تلك المصافحة العابرة، وذلك الشاي البسيط، وتلك الابتسامة الخجولة... ستصبح بعد سنوات الذكرى التي سأسكنها كلما ضاقت بي الحياة، وأعيش عليها ما بقي من عمري.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10932
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.