من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

عالم بلا مجاملات

منى بغدادي
عالم بلا مجاملات



حين تصبح الحقيقة بلا رحمة


تخيّل أن يستيقظ العالم ذات صباح وقد أُجبر الجميع على قول الحقيقة كاملة؛ لا رتوش ، لا أقنعة، لا كلمات تُقال مجاملة ، ولا ابتسامات تخفي خلفها ما لا يُقال .

ماذا سيحدث حينها؟

ربما سيجلس الصديق أمام صديقه ، فلا يجد ما يقوله سوى ما يشعر به حقاً وربما ينظر الزوج إلى زوجته ، فلا يستطيع أن يقول: «أنتِ جميلة» إن لم يشعر بذلك ، أو «أنا بخير» إن لم يكن كذلك . وربما يقف المدير أمام موظفه ، فلا يبقى للثناء الزائف مكان ، ولا للكلمات التي تُقال خوفاً أو طمعاً .

ستسقط الأقنعة دفعة واحدة ، وسنرى الوجوه كما هي … لا كما أحببنا أن نراها .

قد نكتشف أن بعض الصداقات لم تكن إلا عادة ، وأن بعض العلاقات كانت تعيش على المجاملات أكثر مما تعيش على المحبة ، وأن بعض الأشخاص لم يكونوا قريبين منا حباً ، بل قرباً من مصلحة .

لكن … هل المجاملة كذب دائماً ؟

ليس بالضرورة .

فقد تكون المجاملة أحياناً رحمة ؛ أن تختار كلماتك بعناية لأنك تعرف أن الحقيقة إذا قيلت بلا حكمة ، قد تترك جرحاً لا تملك الأيام وحدها القدرة على مداواته .

وقد تكون احتراماً لمشاعر إنسان لا يحتاج منك أن تكذب عليه ، لكنه يحتاج منك أن تكون لطيفاً معه .

فليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله ، وليس كل حقيقة تحتاج إلى أن تُلقى في وجه صاحبها بلا رحمة .

لكن المجاملة تفقد براءتها حين تتحول إلى قناع ؛ حين نمدح من لا نحبه ، ونبتسم لمن نضمر له العداء ، ونقترب ممن نحتاجه ، ثم ندير له ظهورنا لحظة انتهاء المصلحة .

هناك ، لا تعود المجاملة لطفاً …

بل يصبح اسمها نفاقاً .

وفي عالم بلا مجاملات ، قد نربح وضوح الحقيقة ، لكننا قد نخسر شيئاً من دفء العلاقات . سنعرف من يحبنا فعلاً ، ومن كان وجوده مرتبطاً بمصلحة ، لكننا سنكتشف أيضاً أن بعض الحقائق التي ظننا أننا نحتاج إلى سماعها ، كان يمكن أن تُقال بطريقة أكثر إنسانية .

فالمشكلة ليست في الحقيقة ، ولا في المجاملة وحدها …

المشكلة في النية التي تقف خلفهما .

أن تقول الحقيقة لتُصلح … شيء .

وأن تقولها لتؤذي … شيء آخر .

أن تجامل لتحفظ قلباً ، شيء .

وأن تجامل لتشتري رضا أو منفعة ، شيء آخر تماماً .

لذلك … لسنا بحاجة إلى عالم بلا مجاملات بقدر حاجتنا إلى عالم بلا زيف ؛ عالم نعرف فيه كيف نقول الحقيقة دون قسوة ، وكيف نجامل دون كذب ، وكيف نحفظ الود دون أن نبيع الصدق .

فالحقيقة بلا رحمة قد تؤذي …

والمجاملة بلا صدق قد تخدع .

وبين القسوة والزيف ، تبقى أجمل مساحة يمكن للإنسان أن يعيش فيها :

أن يكون صادقاً … دون أن يفقد إنسانيته .

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

1 تعليق
سعود الغرابي 04/09/2026 - 10:01 AM
موضوع فيه من الجِدّة مافيه..معالجة موزونه…رغم أنكِ استطعتِ أن تأتي بالشيئ ونقيضه،وكنتِ مقنعة في الحالين،إلا أن طرحكِ في نهايته وضع الميزان الأفضل لسلوك هو الأجمل…لك أطيب التمنيات..

أضف تعليقك

10939
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.