عالم بلا مجاملات
حين تصبح الحقيقة بلا رحمة
تخيّل أن يستيقظ العالم ذات صباح وقد أُجبر الجميع على قول الحقيقة كاملة؛ لا رتوش ، لا أقنعة، لا كلمات تُقال مجاملة ، ولا ابتسامات تخفي خلفها ما لا يُقال .
ماذا سيحدث حينها؟
ربما سيجلس الصديق أمام صديقه ، فلا يجد ما يقوله سوى ما يشعر به حقاً وربما ينظر الزوج إلى زوجته ، فلا يستطيع أن يقول: «أنتِ جميلة» إن لم يشعر بذلك ، أو «أنا بخير» إن لم يكن كذلك . وربما يقف المدير أمام موظفه ، فلا يبقى للثناء الزائف مكان ، ولا للكلمات التي تُقال خوفاً أو طمعاً .
ستسقط الأقنعة دفعة واحدة ، وسنرى الوجوه كما هي … لا كما أحببنا أن نراها .
قد نكتشف أن بعض الصداقات لم تكن إلا عادة ، وأن بعض العلاقات كانت تعيش على المجاملات أكثر مما تعيش على المحبة ، وأن بعض الأشخاص لم يكونوا قريبين منا حباً ، بل قرباً من مصلحة .
لكن … هل المجاملة كذب دائماً ؟
ليس بالضرورة .
فقد تكون المجاملة أحياناً رحمة ؛ أن تختار كلماتك بعناية لأنك تعرف أن الحقيقة إذا قيلت بلا حكمة ، قد تترك جرحاً لا تملك الأيام وحدها القدرة على مداواته .
وقد تكون احتراماً لمشاعر إنسان لا يحتاج منك أن تكذب عليه ، لكنه يحتاج منك أن تكون لطيفاً معه .
فليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله ، وليس كل حقيقة تحتاج إلى أن تُلقى في وجه صاحبها بلا رحمة .
لكن المجاملة تفقد براءتها حين تتحول إلى قناع ؛ حين نمدح من لا نحبه ، ونبتسم لمن نضمر له العداء ، ونقترب ممن نحتاجه ، ثم ندير له ظهورنا لحظة انتهاء المصلحة .
هناك ، لا تعود المجاملة لطفاً …
بل يصبح اسمها نفاقاً .
وفي عالم بلا مجاملات ، قد نربح وضوح الحقيقة ، لكننا قد نخسر شيئاً من دفء العلاقات . سنعرف من يحبنا فعلاً ، ومن كان وجوده مرتبطاً بمصلحة ، لكننا سنكتشف أيضاً أن بعض الحقائق التي ظننا أننا نحتاج إلى سماعها ، كان يمكن أن تُقال بطريقة أكثر إنسانية .
فالمشكلة ليست في الحقيقة ، ولا في المجاملة وحدها …
المشكلة في النية التي تقف خلفهما .
أن تقول الحقيقة لتُصلح … شيء .
وأن تقولها لتؤذي … شيء آخر .
أن تجامل لتحفظ قلباً ، شيء .
وأن تجامل لتشتري رضا أو منفعة ، شيء آخر تماماً .
لذلك … لسنا بحاجة إلى عالم بلا مجاملات بقدر حاجتنا إلى عالم بلا زيف ؛ عالم نعرف فيه كيف نقول الحقيقة دون قسوة ، وكيف نجامل دون كذب ، وكيف نحفظ الود دون أن نبيع الصدق .
فالحقيقة بلا رحمة قد تؤذي …
والمجاملة بلا صدق قد تخدع .
وبين القسوة والزيف ، تبقى أجمل مساحة يمكن للإنسان أن يعيش فيها :
أن يكون صادقاً … دون أن يفقد إنسانيته .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك