أزمة تحويلات بين الرياض ودبي: البنوك المراسلة في أوروبا وآسيا تصبح مخرجاً مكلفاً للشركات
تستمر التعقيدات المصرفية بين السعودية والإمارات في إرباك حركة التدفقات المالية والتجارية بين أكبر اقتصادين عربيين، حيث أجبرت التأخيرات الممتدة وتشدد الرقابة المصرفية العديد من الشركات والمستثمرين على اللجوء إلى بنوك مراسلة في القارة الأوروبية والمراكز المالية الآسيوية لتمرير مدفوعاتهم التجاريّة، في خطوة كبدت القطاع الخاص تكاليف إضافية وهددت استدامة أعماله الإقليمية.
كشف تقرير حديث لنشرة "أرابيان جلف بيزنس إنسايت" (AGBI) عن أزمة متنامية في تحويل الأموال عبر الحدود بين البلدين، حيث تحولت عمليات تحويل الأموال التي كانت تُنجز سابقاً خلال ساعات قليلة إلى رحلة معقدة تستغرق ما بين 3 إلى 10 أيام عمل. وفي بعض الحالات الأكثر تعقيداً، تُحتجز السيولة لأسابيع أو تُعاد إلى المُرسِل دون تقديم رموز خطأ أو مبررات مصرفية واضحة، مما يترك الشركات في حالة من عدم اليقين المالي.
ضغوط حادة على رأس المال العامل وهامش الأرباح
تتجاوز الآثار الناجمة عن هذا التعثر مجرد التأخير الزمني، لتلقي بظلالها على الكفاءة التشغيلية للشركات، حيث أدى احتجاز التمويل إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وتوتر العلاقات مع الموردين الذين يطالبون بالوفاء بالسداد في مواعيده، إلى جانب اضطرار المؤسسات لإبقاء مستويات مرتفعة من "المخزون الاحتياطي" لمواجهة أي انقطاع مفاجئ.
وفي هذا السياق، يوضح رجل الأعمال في دبي، إيفان كروشني، مدى الضرر المالي القاسي الذي يلحق بالشركات متوسطة الحجم قائلاً: "إذا كانت الشركة تعمل بهامش صافٍ بين 10% و12%، وتلتهم رسوم تحويل العملة وإعادة الهيكلة القانونية وغرامات التأخير الحدودي ما بين 5% و7% منه، فإن الجدوى التجارية للاستثمار تضعف إلى حد كبير".
من جانبه، أشار كريستوف دراي، مؤسس شركة "WorldWide Wonders" المتخصصة في تنظيم الفعاليات، إلى تعقد متطلبات الامتثال المصرفي بشكل غير مسبوق، مؤكداً أن البنوك باتت تطلب وثائق ومستندات تعجيزية لم تكن تُطلب قط في السابق. وأضاف دراي أنه فقد الثقة في تلك الآليات المصرفية المباشرة، مما دفعه للترجيح والمفاضلة نحو إدارة عملياته التجارية من خلال كيانه القانوني المسجل خارج المنطقة.
خلفيات الأزمة: لماذا تتأخر المدفوعات المباشرة؟
تؤكد مصادر مصرفية ومحللون ماليون أن الانسداد الحاصل في شبكة التدفقات المباشرة بين البلدين يعود إلى تقاطع عدة عوامل تنظيمية واقتصادية:
التشديد الصارم لقواعد الامتثال ومكافحة غسل الأموال (AML/KYC): رفعت البنوك المركزية والتجارية في المنطقة مستويات الفحص والتحقق الإضافي (Enhanced Due Diligence) على التحويلات عبر الحدود. وأدى تطبيق المعايير الصارمة لمكافحة غسل الأموال ومراقبة الامتثال للتجارة إلى زيادة الفترات الزمنية للتدقيق في الفواتير وهويات المستفيدين النهائيين (UBO).
إعادة تنظيم هيكل المقرات الإقليمية (RHQ): يتزامن هذا التعثر المصرفي مع بدء تطبيق الفاعلية الكاملة لبرنامج المقرات الإقليمية في السعودية، والذي يتطلب من الشركات العالمية والإقليمية تأسيس مقراتها الرئيسية في الرياض للمنافسة على العقود الحكومية. ودفعت هذه التشريعات بعض المؤسسات المصرفية إلى زيادة التدقيق في طبيعة الكيانات التي تعمل من دبي وتجري معاملات ضخمة داخل السوق السعودي دون وجود كيان قانوني أو مصرفي مباشر ومستقل داخل المملكة.
الاعتماد على التسوية المباشرة عبر الدولار الأمريكي: رغم استقرار أسعار الصرف المرتبطة بالدولار، فإن العديد من التحويلات البينية بين الريال السعودي (SAR) والدرهم الإماراتي (AED) لا تزال تمر عبر أنظمة المقاصة في الولايات المتحدة أو البنوك المرافقـة الدفينة في أوروبا، مما يعرّض المعاملات لطبقات متعددة من المراجعة الخارجية والرسوم المزدوجة.
الحلول الالتفافية: كلفة مضاعفة ومخاطر تنظيمية
أمام هذا الواقع، اتجهت العديد من الشركات الإقليمية إلى إعادة توجيه مسار تحويلاتها المالية عبر بنوك مراسلة في مراكز مالية عالمية، مثل لندن وفرانكفورت وزيورخ، أو عبر سنغافورة وهونغ كونغ في آسيا.
ورغم أن هذه الحلول البديلة توفر مساراً يُعتبر أحياناً أكثر قابلية للتنبؤ من حيث إتمام التحويل، إلا أنها تفرض تكاليف باهظة تشمل:
رسوم الوساطة المصرفية (Intermediary Fees): اقتطاع عمولات متعددة من كل بنك يمر عبره التحويل.
تكاليف فروق أسعار الصرف المزدوجة (FX Spreads): تحويل العملة المحلية إلى عملة تسوية عالمية ثم إعادة تحويلها للعملة المستهدفة.
مخاطر تجميد الأموال الخارجي: خضوع التحويلات لرقابة السلطات المالية التنظيمية في أوروبا أو آسيا، مما قد يولد طلبات إضافية لإثبات طبيعة المعاملات.
الفجوة بين مبادرات الربط الرقمي والواقع التجاري
تأتي هذه الأزمة بالرغم من إطلاق مبادرات خليجية وإقليمية لتسهيل المدفوعات، وفي مقدمتها نظام "آفاق" (AFAQ) التابع لشركة المدفوعات الخليجية، ومنصة "بُنى" (Buna) التابعة لصندوق النقد العربي، واللتان صُممتا خصيصاً لتمكين التسوية المباشرة فوراً وبأقل كلفة بين البنوك العربية والخليجية.
إلا أن خبراء المال يوضحون أن البنية التحتية التقنية لهذه المنصات موجودة بالفعل، لكن "عقدة الامتثال" والتحفظ الشديد لدى أقسام إدارة المخاطر في البنوك التجارية يظلان العائق الأكبر أمام الاستفادة الكاملة من هذه الشبكات؛ حيث تتجنب البنوك إمرار المعاملات عالية المخاطر أو المبهمة عبر القنوات المباشرة خوفاً من الغرامات التنظيمية.
يضع هذا التعثر المتزايد صانعي السياسات المالية في المنطقة أمام ضرورة التعجيل بتنسيق الأطر التنظيمية وتوحيد متطلبات الامتثال بين البنوك المركزية، لضمان ألا تلتهم الإجراءات البيروقراطية والمصرفية مكاسب التكامل الاقتصادي وحرية حركة رؤوس الأموال بين دول مجلس التعاون.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك