من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

لماذا يحتاج العالم إلى غبار الصحراء؟ العلاقة الخفية بين الجفاف الأفريقي وازدهار الأمازون

القاهرة : خالد شحاتة
لماذا يحتاج العالم إلى غبار الصحراء؟ العلاقة الخفية بين الجفاف الأفريقي وازدهار الأمازون



تكشف دراسات علمية حديثة عن معادلة بيئية غير متوقعة: الصحاري الجرداء في شمال أفريقيا ليست مجرد أراضٍ قاحلة، بل شريان حياة يمتد عبر المحيط الأطلسي ليغذي أضخم غابة استوائية على وجه الأرض. وبحسب هذه الدراسات، فإن أي تغيّر جذري في طبيعة هذه الصحاري قد يُحدث اختلالًا بيئيًا يتجاوز حدودها الجغرافية بآلاف الكيلومترات.

الفوسفور العابر للمحيطات

بحسب دراسة نشرتها وكالة ناسا استندت إلى بيانات ثماني سنوات من قمر رصد الغلاف الجوي "كاليبسو" (CALIPSO)، فإن نحو 182 مليون طن من الغبار تغادر سواحل شمال أفريقيا سنويًا عبر المحيط الأطلسي، يستقر منها ما يقارب 28 مليون طن في حوض نهر الأمازون. ويحمل هذا الغبار كمية مقدرة بنحو 22 ألف طن من الفوسفور سنويًا، وهي العنصر الغذائي الذي تعاني تربة الأمازون من نقصه الحاد بسبب الأمطار الغزيرة التي تغسل هذا المعدن باستمرار من التربة نحو الأنهار.



ويعود المصدر الأساسي لهذا الغبار إلى منخفض "بوديليه" في تشاد، وهو قاع بحيرة قديمة جافة تحتوي رواسبه على كائنات دقيقة متحجرة غنية بالفوسفور، وفق ما أوضحه الباحث هونغبين يو من جامعة ميريلاند ومركز غودارد التابع لناسا، والذي قاد الدراسة المنشورة في دورية Geophysical Research Letters عام 2015.

غياب الغبار يعني ذبول الغابة تدريجيًا

تشير الدراسة ذاتها إلى أن الكمية السنوية من الفوسفور القادم عبر الغبار الأفريقي تعادل تقريبًا ما تفقده تربة الأمازون سنويًا بفعل الجريان المائي والفيضانات. وهذا يعني أن أي انقطاع طويل الأمد لهذا التوازن -كتحوّل جذري في طبيعة المصدر الصحراوي- من شأنه أن يُفقد الغابة أحد أهم روافدها الغذائية على مدى عقود، بحسب تحذير الباحثين في الدراسة.

"درع الغبار" الذي يكبح الأعاصير

أما في ما يخص الساحل الشرقي للولايات المتحدة، فترصد الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA) ظاهرة تُعرف بـ"الطبقة الهوائية الصحراوية" (Saharan Air Layer)، وهي كتلة هواء جافة وحارة محمّلة بالغبار تنشأ فوق الصحراء الكبرى بين أواخر الربيع ومطلع الخريف، وتنتقل غربًا فوق شمال المحيط الأطلسي كل ثلاثة إلى خمسة أيام.



وبحسب NOAA، فإن جفاف هذه الطبقة ورياحها القوية يعملان معًا على كبح تشكّل الأعاصير المدارية وتضعيف اشتدادها. ويوضح الباحث جيسون دنيون من جامعة ميامي أن هذه الطبقة تحمل ثلاثة عوامل مضادة لتكوّن الأعاصير: الهواء شديد الجفاف الذي تكرهه الأعاصير، وتيار نفاث متوسط الارتفاع يمزق العواصف الناشئة، إضافة إلى الغبار نفسه الذي يعيق تكوّن السحب الركامية العميقة اللازمة لنمو العاصفة.

كذلك، ترصد أبحاث منشورة عبر منصة "Wunderground" أن الغبار يعمل كدرع يحجب أشعة الشمس عن سطح المحيط، ما قد يُبقي درجة حرارة سطح البحر في منطقة التكوّن الرئيسية للأعاصير (من سواحل أفريقيا حتى البحر الكاريبي) أقل بمقدار درجة مئوية كاملة عن معدلها الطبيعي، وهو فارق كافٍ لحرمان الأعاصير من جزء من طاقتها اللازمة للتشكّل.

الرياح الموسمية.. الجسر الجوي بين الصحراء والغابة

يبدأ هذا التبادل البيئي برياح استوائية تهب على حافة الصحراء الكبرى في منطقة الساحل الأفريقي، فترفع كميات هائلة من الغبار إلى طبقات الجو العليا، لتحمله الرياح التجارية غربًا عبر المحيط الأطلسي حتى يصل إلى الأمازون والكاريبي، بحسب توصيف NOAA لآلية تكوّن هذه الطبقة الهوائية. وتنشط عملية النقل هذه بشكل خاص بين يناير وأبريل من كل عام، وهو الموسم الذي تكون فيه الأمطار في الأمازون في ذروتها، وفق ما ورد في مجلة "بيسكيزا فابيسب" البرازيلية.


ما تكشفه هذه الأبحاث هو أن الصحراء ليست منطقة عزلة جغرافية قائمة بذاتها، بل حلقة في منظومة مناخية كوكبية متشابكة: غبارها يغذي أكبر غابة مطيرة في العالم، وطبقتها الهوائية تكبح جماح الأعاصير قبل أن تضرب السواحل الأمريكية،و أي تحوّل جذري في طبيعة هذه المصادر الصحراوية -سواء بفعل تدخل بشري افتراضي أو تغيّر مناخي- يحمل تبعات تتجاوز حدود المنطقة بكثير، وهو ما يجعل هذه الصحاري، على قحطها الظاهري، موضوعًا محوريًا في أبحاث المناخ العالمي.


#saharan

#dust

#amazon

#hurricanes

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10943
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.