من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

خَلفَ جِدارِ الشّاشة

تبارك الياسين- كاتبة فلسطينية/ أردنية
خَلفَ جِدارِ الشّاشة


كان الليلُ في منزلهما يمرُّ ثقيلاً، مغلّفاً بصمتٍ لا يقطعه إلا طنينُ الأجهزة الإلكترونية. في ركنه المعتاد فوق الأريكة الجلدية، كان يجلسُ كباحثٍ عن الذهب في منجمٍ مهجور. عيناهُ معلقتان ببريقِ هاتفه، وأصابعه تداعبُ الزجاج البارد بحثاً عن امرأةٍ افتراضية؛ امرأةٍ لا وجود لها إلا في خيالاته، تملكُ يدين ناعمتين تمسحان شيبه الأبيض بسواد عينيها، وتلقي ذراعيها حول كرشته المنتفخة ليشعر، ولو للحظة، بأنه لا يزال ذاك الشاب الذي يستحقُّ الانتشاء.

كان يغرقُ في تفاصيل الصور، يقرأ الكلمات المعسولة التي تُكتبُ للجميع ولا تُكتبُ لأحد، ويبني قصوراً من رمال النيكوتين والدخان فوق أرصفةِ الدردشات العابرة.

على بعد مترٍ واحد منه، تجلس الحقيقة صامتة. زوجته، التي اعتاد أن يراها كجزءٍ من أثاث البيت، كإناءٍ للزهر جفَّ ماؤه، تغوصُ هي الأخرى في عالمها الخاص

كان يظنها غارقةً في ترتيب قائمة المشتريات، أو تفكرُ في لون الستائر الجديد، لكنه في تلك الليلة، ولسببٍ ما، رفع عينيه عن شاشته لثوانٍ معدودة.

ارتطم بصره بملامحها. انعكس الضوءُ المنبعثُ من هاتفها على وجهها، فبدت وكأنها استعادت سنواتٍ من شبابها الضائع. أصابعها تتحركُ بخفةٍ لم يلاحظها منذ زمن، وعلى ثغرها كانت ترتسمُ ابتسامةٌ ساحرة؛ ابتسامةٌ لم تكن موجهةً إليه، ولا لشؤون المنزل، بل كانت تعبث بهاتفها ببهجةٍ لم يسبق له أن رآها حتى في أيام شهر عسلهما.


سرت في جسده رعشةٌ تشبه الصعقة الكهربائية. تلك الابتسامة التي كان يبحثُ عنها عند النساء الافتراضيات كانت تشتعلُ الآن أمامه، لكنها لم تكن ملكه. شعر بأن كرشه المنتفخ الذي كان يريد أن يداريه بـودٍّ مُتخيل، صار أكثر ثقلاً وبرودة. وشيبه الأبيض بدا في مرآة ابتسامتها أكثر اشتعالاً ووهناً.

 بينما يطاردُ أوهاماً لتمسح عنه غبار العمر، كانت زوجته تفتحُ أبواباً أخرى للحياة، ربما افتراضية أيضاً، وربما أكثر واقعيةً مما يتخيل. كانت تبتسمُ للغيب، بينما كان هو يختنقُ في حضن هاتفه.

انطفأت في عينه صورُ النساء اللواتي لا ملامح لهن. وضع هاتفه جانباً، وأراد أن يناديها، أن يكسر الجدار الزجاجي الذي يفصل بين أريكتين، لكنه وجد صوته قد توارى خلف خجله من نفسه.

ظلت هي تعبثُ بهاتفها، وظلت الابتسامةُ الساحرةُ مرسومةً على وجهها لقد وجد أخيراً المرأة التي تمسحُ عنه تعبه، لكنه اكتشف أنَّ المسافة بين يده ويدها أبعدُ من كل خوادم الإنترنت التي كان يطوفُ بينها كل ليلة ، بينما بقي هو يراقبها بصمت؛ يراقبُ حلمه الذي يبحث عنه وهو يتجسدُ في امرأةٍ تشاركه السرير والوسادة، لكنها لم تعد تشاركه.. الابتسامة.

#نقاش_دوت_نت 





التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10948
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.