من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

حكايات ليلى حسين الجزء 9

بقلم أميرة مهداوي - القدس / فلسطين
حكايات ليلى حسين الجزء 9



 تقول ليلى وصوتها يتأرجح بين اليأس والأمل ، بين الفرح والغضب ، بين السخط على نفسها وعل من قاد حياتها ومستقبلها للمجهول ...

بعد ثلاثة أيام مضنية بالتنقل من دائرة لأخرى ، إستطاعت أن تحصل على تلك الاوراق والتي تحتوي على ما يسمى بعدم المحكومية والتي تطلبت مني الذهاب للمرة الأولى لما يسمى بقصر العدل ، إذ بعد عدة طوابير طويلة وقفت فيها تم أخذ بصمات لأصابعي العشرة لإثبات الشخصية أولاً ، ومن ثم إثبات عدم إتهامي باي جناية أو جنحة مخلة بالشرف ، لأن القانون ينص على أن يكون السجل الجنائي لاي موظف في الدولة خالٍ تماماً من اي جريمةٍ أو شبهة ،  وكانت تجربةً ممتعة في ذلك الحين قبل خمسة وعشرون عاماً ، إذ أصبح الحصول على تلك الشهادة الآن إلكترونياً من خلال الهاتف وأنت تجلس في بيتك أو على المقهى ...

ومن ثم يجب الحصول على شهادة خلو من الامراض ايضاً ، لكيلا يتحايل الموظف للحصول على تقاعدٍ مبكرٍ أو تحويل لوظيفةٍ اخرى نتيجة مرض سابق ، وقد اصبح بالإمكان أيضاً الحصول على تلك الوثيقة من خلال الهاتف بالرجوع لسجلات الشخص من المستشفيات ، إذ أصبح الربط الإلكتروني يكشف كل ما يتعلق بالشخص في كل الأمور في كل الدوائر الحكومية ...

أعددت كل الوثائق المطلوبة وأنا أسابق الزمن لكيلا يمر الوقت المحدد وأفقد التعيين .

أعد ذلك الكتاب وكان يتوجب على الذهاب إلى مكان عملي في إحدى المدارس القريبة من منطقة سكناي بوظيفة( مستخدمة )

على الفئة الرابعة وما ادراكم ما الفئة الرابعة ، لا تصنيف ، لا تدرج وظيفي لا علاوات ، ولا اي إمتيازات وظيفية ، لا مقاعد للأبناء في الجامعات أسوة بأبناء الموظفين على الدرجات الأعلى ، حتى القيام بالتسوق من أسواق المؤسسة المدنية والتي توفر الاسعار الأقل كان ممنوعاً على الموظف في تلك الفئة في تلك الفترة ...

جاء اليوم الأول لي في الوظيفة ، وصلت إلى تلك المدرسة التي سأعمل بها بتمام الساعة السابعة ، القيت التحية على مديرة المدرسة ، ردت التحية بملامح صارمة ووجه عابس إذ لا زال اليوم في بدايته فما الذي جاء بي في هذا الوقت المليء بالحركة في بداية النهار 

قالت : تفضلي هل من مشكلة ؟؟

وكانت إبنتاي تلميذات في نفس المدرسة , أجبتها الله لا يجيب مشاكل وناولتها كتاب التعيين ...

ازدادت ملامحها غضباً ودهشة  

قالت : أنت ؟ وبهذه الوظيفة ؟ 

أجبتها  نعم ، إصطحبتني  لغرفة الإدارة ، وطلبت قهوتها الصباحية وفنجاناً لي أيضاً 

قالت مندهشة : أعرفك منذ سنين ، أماً مثالية إبنتيك من أروع وأذكى وأنبه الطالبات ، وحالتك المادية جيدة ، ما الذي يدعوك للقيام بهذه الوظيفة ؟ 

أخبرتها بما آلت إليه الظروف من مرض للأب وأني مضطرة الآن لتولي الامر في البيت يعد أن خسرنا كل ما نملك ولا رجاء لشفاء الاب وعودته للعمل ....

إستدعت السكرتيرة وهي تحاول إخفاء تأثرها الشديد بما سمعت ، وطلبت منها القيام بفتح ملف لي كموظفة في تلك المدرسة ، وأمرتها ان تشرح لي طبيعة العمل بوظيفة (مستخدمة ) وما المهام المطلوبة منها .... 

وقبل أن أغادر غرفة الإدارة إستوقفتني قائلة ، وهي تنظر إلى هندامي الملفت ، وهل ستعملين بهذه الملابس الثمينة الراقية ؟؟ 

لم أفكر بهذا صراحة ، وبعد برهة من التفكير أجبتها أني ساحضر ملابس أخرى للعمل بها مما أصبح قديماً لدي 

بدأت يومي بإلقاء التحية على المدرسات والتعريف بنفسي وبدأت العمل بجد منذ الساعة الأولى ....

إختلطت لدي المشاعر ، أحدث نفسي  أما كان يجب أن تكون الوظيفة مدرّسة مثلاً ، أو سكرتيرة  على أقل تعديل ، أما كان بالإمكان أن أدرس الحقوق أو الإعلام مثلاً، خرجت من أحلامي كالعادة إلى الواقع المرير ، وكنت أحدث نفسي أن يجب أن أواصل وأكون أقوى من أجل أطفالي .....

وتوالت الأيام في ذلك العمل المضني جسدياً ونفسياً ، إذ كان من الواجب القيام بكل ما يتعلق بتنظيف المكان والكثير الكثير من الأعمال المرهقة جداً لي كسيدةٍ أولا فبعض الأعمال شاقة لا يقوى عليها بعض الرجال ، ورغم ذلك أثبت نفسي وأتحامل عليها إذ لا مهرب من ذلك ....

لم أكن أعر تلك النظرات الخبيثة من سكرتيرة المدرسة والنظرات التي يشوبها الحقد بلا أسباب ، إلى أن فقدت محفظتها ذات يوم فنفثت جزءاً من حقدها على من حولها بإتهامي أنا ، وإصرارها على أن أقسم على المصحف أني لم أسرق تلك المحفظة ، كان ذلك الموقف الأول الذي أواجهه في العمل يصعب إحتماله أو السكوت عليه ، وبالمقابل كان الموقف الإنساني من تلك المديرة والتي إعتبرت إتهامي إهانة لي ولم تكلمني أبدا بذلك الموضوع ، وكانت ترفض رفضاً تاماً مواجهتي بذلك ، وحذرت تلك البلهاء أن عقوبة إتهامي ليست بالسهلة أمام المدراء الأعلى منها ، ولكن تلك المخلوقة أصرت على إهانتي فتحايلت عليي أن كل الموجودين قد أقسموا إلا أنا ، أقسمت وقلبي يتقطع من ذلك الموقف ، وصمت كما هي العادة في كل شؤوني عندما علمت أن لم يقسم أحد غيري انا وزميلتي الأخرى , اي ان الإتهام لم يكن موجهاً سوى لنا الإثنتين دوناً عن كل مان كان موجوداً في المكان .

لم تتجاوز ردة الفعل لدي إلا بأني رفضت تماماً دخول غرفتها لأي سبب ، لم يرضها ذلك لأني أتقن عملي اكثر بكثير من زميلتي الأخرى ...

تجاوزت هذا الموقف وأنا أهيئ نفسي للأصعب ...

جاء القرار أن يجب علينا ترك هذا المبنى لمبنى آخر أعد خصيصاً لنا ليتحول الدوام إلى فترة واحدة ، ويجب علينا القيام انا وزميلتي بنقل كافة الأثاث من الساحة الامامية للمبنى إلى داخل المبنى ، خمسة طوابق فارغة وأثاث مدرسي لا أحد يدرك كم الأثاث إلا الذي عمل بمدرسة سابقا ، إذ أن الميزانية لا تسمح بجلب عمال لنقل الأثاث ، ياااااا الله ما هذا الظلم والتجبر ، هل يمكن لسيدات إثنتين أن تقوم بكل هذا خلال فترة أقل من شهر ، لم أعترض كما العادة  بدأنا العمل بصمت كما هي المواقف كلها ، اجمع أبنائي وأبناء الحي من الاطفال يساعدون قليلاّ ويشعرون بالملل والتعب ، ثم ينسحبون واحداً تلو الآخر برغم المغيرات من بعض النقود والشوكلاتة ولكنهم اطفال يفضلون اللعب على العمل وخاصة العمل المرهق.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10958
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.