كشكول الفن من القرير إلى وادي عبقر
المقدّمة
في سجلّ الإبداع السوداني، من منحنى النيل إلى حي العرب الأمدرماني، يسطع اسم عبد الرحمن الريح أحمد الفكي كأحد أعمدة الفن، شاعرًا وملحنًا ومؤلفًا مسرحيًا، صاحب المدرسة الشعرية واللحنية الفريدة، حمل الكلمة إلى مقامٍ جديد، حيث امتزجت العاطفة باللحن، والوجدان بالصور الكونية.
صار ركيزةً من ركائز الفن الحديث، فهو الذي جعل الشعر أغنيةً تتردّد في القلب قبل أن تُغنّى على المسرح وترك أثرًا خالدًا هذا العبقري.
النص الشعري
الشَّادِنْ الكاتِلْنِي رِيدُهْ
هَلَكْ النُّفُوسْ وَالنَّاسْ تِرِيدُهْ
مَالُو لَوْ يِرْحَمْ مَرِيدُهْ
الكَوْنْ وَحِيدُهْ وَالكَوْنْ فَرِيدُهْ
فِيهْ لا يُوجَدْ طَرِيدُهْ
نَظَمْ العُقُولْ فِي سِلْكْ رِيدُهْ
لَبِسْنْ قَلَايِدْ فِي وِرِيدُهْ
الجِيلْ قَدِيمُهْ عَلَى جَدِيدُهْ
لِيهْ اعْتَرَفْ مَعْدُومْ نَدِيدُهْ
فَاقْ السِّلَاحْ وَكَسَّرْ حَدِيدُهْ
نَقْرَابِي فِي صَفْحَةْ جَدِيدُهْ
يِصْعَبْ عَلَيَّ وَصْفْ قَصِيدُهْ
وَصْعَبْ عَلَيَّ نَظْمْ قَصِيدُهْ
دَهْ غَزَالْ سَارِحْ بَيْنْ صِيدُهْ
يَا رِيدْ مَحَالْ شَرَكْكْ يِصِيدُهْ
إنْسَانْ كَحِيلْ نَاعِسْ هَجِيدُهْ
جِيدْ الغَزَالْ كَأَنُّهْ جِيدُهْ
مَهْمَا أَقُولْ القَوْلْ أَجِيدُهْ
أنَا وَصْفُهْ كَيْفْ أقدر أَجِيدُهْ
كُلَّمَا أَقُولْ الحَظْ يُعِيدُهْ
نَحْسْ الزَّمَانْ يِسْبِقْ سَعِيدُهْ
القَطَرْ دَانِيَّهْ وَبَعِيدُهْ
هُوَ هِلَالْ صِيَامُهْ وَيَوْمْ عِيدُهْ
التأويل:
العشق القاهر
الشَّادِنْ الكاتِلْنِي رِيدُهْ – هَلَكْ النُّفُوسْ وَالنَّاسْ تِرِيدُهْ
يفتتح النص بصورة كائن رشيق يفتك بالوجدان، يترك العاشق أسيرًا لسطوة لا تُقاوَم.
يطلّ كرمز للطبيعة البكر، لكنه في الوقت نفسه يملك سطوةً قاهرة تجعل الناس لا تمسك مشاعرها.
فهذا الغزال ـ رمز المحبوب ـ لا يترك أحدًا في مأمن: فالجميع يعاني من شدة الوجد في انجذاب إليه.
رجاء العاشق
مَالُو لَوْ يِرْحَمْ مَرِيدُهْ
إنها صرخة من قلبٍ غارق، يطلب من المحبوب أن يلين، أن يمنحه نسمة عطف.
تصريح بأنّ الهوى ابتلاء يحتاج إلى عطفٍ يخفّف وطأته.
الكمال المتفرّد
الكَوْنْ وَحِيدُهْ وَالكَوْنْ فَرِيدُهْ – فِيهْ لا يُوجَدْ طَرِيدُهْ
تتبدّى المحبوبة في صورةٍ لا يشاركها فيها أحد، حضور يفرض سلطانه على الزمن كله، فلا يقارن ولا يُقاس.
هي الذروة التي بقيت محفوظة في الذاكرة، والكمال الذي لا يتكرّر، فيغدو الماضي والحاضر والمستقبل ساحةً واحدةً لبهائها.
منادي الحب
نَظَمْ العُقُولْ فِي سِلْكْ رِيدُهْ – لَبِسْنْ قَلَايِدْ فِي وِرِيدُهْ
المحبوبة تأسر اللب وتُخضع الفكر لسلطانها فيغدو الحب الصافي حليةً تُعلن حضورها في الروح، وتُظهر أنّ العاطفة قد ارتقت إلى تاجٍ داخليٍّ يزيّن الكيان كله.
سطوة المحبوبة
الجِيلْ قَدِيمُهْ عَلَى جَدِيدُهْ – لِيهْ اعْتَرَفْ مَعْدُومْ نَدِيدُهْ
تذلل وتسليم للمحبوبة، لا يأتي الزمان بمثلها ولا ينافس على حبها.
سلطان العشق
فَاقْ السِّلَاحْ وَكَسَّرْ حَدِيدُهْ – نَقْرَابِي فِي صَفْحَةْ جَدِيدُهْ
تمكن فيه العشق وتملكه فخضع لها وتاه بجمال رسم حرف T على خدها بما يسمى النقرابي وهي حالة تزيد في جمال المحبوبة (نوع من الشلوخ السودانية).
فجعل منها علامة مميزة في الوجدان.
عجز الخطاب
يِصْعَبْ عَلَيَّ وَصْفْ قَصِيدُهْ – وَصْعَبْ عَلَيَّ نَظْمْ قَصِيدُهْ
يقف الشاعر أمام فيض الجمال فلا تسعفه المفردات فيعترف.
فيتحوّل العجز إلى صمت أبلغ من الكلام.
القلبُ الجَموحُ
دَهْ غَزَالْ سَارِحْ بَيْنْ صِيدُهْ – يَا رِيدْ مَحَالْ شَرَكْكْ يِصِيدُهْ
تتصل الحكاية عما بِهِ من هَوًى جَامِحٍ، فالمحبوبة رغم رؤيتها لا يظفر بحبها ويصور معاناته في سبيلها.
حسن الملامح
إنْسَانْ كَحِيلْ نَاعِسْ هَجِيدُهْ – جِيدْ الغَزَالْ كَأَنُّهْ جِيدُهْ
مَهْمَا أَقُولْ القَوْلْ أَجِيدُهْ – أنَا وَصْفُهْ كَيْفْ أقدر أَجِيدُهْ
يتباهى بملامحها الجميلة ويعددها في تصوير بليغ.
ويخشى التقصير في ذلك.
هذيان العشق
كُلَّمَا أَقُولْ الحَظْ يُعِيدُهْ – نَحْسْ الزَّمَانْ يِسْبِقْ سَعِيدُهْ
يسعى ليظفر بحبها فتحول دون ذلك العوائق فتشقيه.
وعد الخلاص
القَطَرْ دَانِيَّهْ وَبَعِيدُهْ – هُوَ هِلَالْ صِيَامُهْ وَيَوْمْ عِيدُهْ
العاشق ينتظر القطار الذي قد يأتي من بعيد أو قريب، يحمل معه بشارة اللقاء.
إنها الفرصة المنتظرة ليوم السعد برؤيتها.
الخاتمة
يَرحمُ اللهُ الشاعرَ عبدَ الرحمنِ الريح، فقد أهدى وجدانَ الناسِ كلماتٍ حيّةً وألحانًا نابضةً، ظلّت تتردّد في القلوب جيلاً بعد جيل.
حمل تجربتَهُ بصدقٍ كامل، وجعل من الشعر صوتًا داخليًّا يفيضُ بلا انقطاع، ومن الغناء مسارًا إنسانيًّا يعبّر عن أعمق ما في النفوس.
ما تزال الأجيالُ المتعاقبةُ تستمتعُ بما تركهُ من فيضٍ صادقٍ، تستشعرُ في نصوصِه حرارةَ التجربة، وتجدُ في ألحانِه امتدادًا للزمن، منهجًا متكاملًا لا غبارَ عليه.
إنَّ ذكراهُ باقيةٌ في كلِّ قلبٍ يردّدُ كلماته، وفي كلِّ روحٍ تنصتُ إلى ألحانه، شاهدًا على أنَّ الفنَّ الحقَّ لا يموتُ.
الإسكندرية الأحد ٦ سبتمبر ٢٠٢٦م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك