من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

عصر الدين الجديد في الكويت ..مفارقة 640% وثورة " الدفتر المحلي "

الكويت : " نقاش "
عصر الدين الجديد في الكويت ..مفارقة 640% وثورة

بنك الكويت المركزي 


​تقدم الكويت تجربة مالية استثنائية تُعيد صياغة أسس إدارة الثروة والميزانية العامة في الخليج؛ ففي الوقت الذي تُسجّل فيه الميزانية الكويتية عجزا يبلغ 7.14 مليارات دينار، تتجه الدولة بشكل قياسي نحو أدوات الدين المحلي، حيث قفز «الدفتر المحلي» لأذون وسندات الخزانة من 50 مليون دينار إلى 3.7 مليارات دينار في غضون 14 شهراً فقط.

وينطوي هذا التحول المتسارع على مفارقة اقتصادية لافتة، إذ هبطت تكلفة التأمين على الديون الكويتية لمدة خمس سنوات بنحو 150 نقطة أساس لتسجل أقوى مستويات الجدارة الائتمانية في المنطقة، بالتزامن مع خفض بنك الكويت المركزي لسعر الخصم بمقدار 50 نقطة أساس، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول أسباب لجوء دولة تعادل أصولها السيادية نحو 640 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي إلى الاقتراض، والآثار المترتبة على هذه الاستراتيجية بالنسبة للقطاع المصرفي وسوق المال.

​ولفك لغز هذه المفارقة المتمثلة في اقتراض دولة تمتلك ثالث أكبر صندوق سيادي في العالم بأصول تتجاوز 900 مليار دولار، يبرز التمييز الدقيق بين مفهومي الملاءة المالية والسيولة المباشرة؛ إذ يتشكل الجزء الأعظم من الأصول السيادية الكويتية في «صندوق الأجيال القادمة» الذي يحظر القانون المساس بأصوله أو تسييلها لتمويل العجز الجاري، باعتباره مدخرات استراتيجية طويلة الأجل موجهة لمرحلة ما بعد النفط وتحقق عوائد سنوية مركبة تفوق تكلفة الاقتراض. في المقابل، واجه «صندوق الاحتياطي العام» — وهو الخزانة المباشرة لتغطية المصروفات التشغيلية والرواتب — استنزافاً مستمراً نتيجة تذبذب أسعار النفط، مما جعل تسييل أصول استثمارية عالية العائد لسداد عجز جاري قراراً غير حصيف اقتصادياً، ليصبح الاقتراض بأسعار فائدة منخفضة الخيار الأكثر كفاءة لتحقيق ما يُعرف بالفارق الإيجابي بين عائد الأصول وتكلفة خدمة الدين.

​وقد أسهمت هذه الهندسة المالية في تعزيز ثقة الأسواق الدولية؛ فالهبوط الحاد في علاوة مخاطر عدم السداد بنسبة 150 نقطة أساس يعكس استيعاب المؤسسات المالية لمتانة الملاءة الكويتية المدعومة بتصنيفات ائتمانية ممتازة، بينما جاء خفض سعر الخصم بـ 50 نقطة أساس ليقلص التكلفة المباشرة للتمويل ويُتيح للحكومة جمع السيولة بكلفة تنافسية.

ولم تقتصر فوائد هذا التحول على الخزانة العامة، بل امتدت آثارها المباشرة إلى القطاع المصرفي الكويتي الذي يُعد الرابح الأكبر؛ حيث أتاحت قفزة إصدارات الدين المحلي للبنوك منافذ استثمارية آمنة لامتصاص السيولة الفائضة لديها، وتحويلها إلى أصول عالية الجودة ذات وزن مخاطر صفري تُحقق عوائد مجزية ومستقرة دون إرهاق رأس المال أو التوسع في مخاطر الائتمان التقليدية.

​وعلى صعيد سوق المال وبورصة الكويت، يُشكل التوسع في أدوات الدين الحكومية خطوة مفصلية لمعالجة تشوه هيكلي تاريخي؛ إذ يُمكّن بناء «منحنى عائد سيادي» بالدينار الكويتي الشركات والقطاع الخاص من تسعير إصداراتها من السندات والصكوك بأسعار عادلة ومقيسة مرجعياً.

كما يؤدي تنشيط سوق أدوات الدين وإمكانية تداولها ثنائياً إلى تعميق البورصة الكويتية وزيادة جاذبيتها أمام المستثمرين الأجانب والمؤسسيين، بما يرفع من كفاءة السوق المالي ويواكب المؤشرات العالمية. وهكذا، تبتعد الكويت عن أسلوب السحب التقليدي المباشر من الاحتياطيات لتدخل عصراً جديداً من إدارة الدين الذكية، تُوازن فيه بين حماية ثرواتها الاستراتيجية وتوفير المرونة المالية للقطاع المصرفي وسوق المال.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10968
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.