من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقية لقصة "غزل الأيام" للأديب عادل التوني

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقية لقصة


غزل الأيام، قصة تقوم على رؤية فلسفية، تجعل الزمن هو البطل الحقيقي، بينما تبدو الشخصيات مجرد خيوط تنسجها الأيام ،  تُعيد فكها في هدوء ، يقودنا العنوان على أكثر من تأويل حول لفظ غزل ، هل يقتصر على دلالة بعينها ،  فيُحمل بالعاطفة ؟ أم يتجاوزها ويستدعي المعنى اللغوى ، وهو فعل النسج ، كأن الأيام هى التي تغزل مصائر البشر، تمنحهم اللقاء، ثم تنزع منهم من أحبوا دون ضجيج، النص لا يروي قصة حب ، بقدر ما يجعلنا نتأمل في قدرة الزمن لإعادة تشكيلنا.


ويثري النص هذه الرؤية عبر تناص واعٍ مع فيلم غزل البنات ، حيث لا يقف عند حدود الإشارة، بل يتحول إلى ركيزة دلالية لفهم الشخصية،  فحين يخبرنا الكاتب أن كثيرين كانوا يرون البطل" نجيب الريحاني"  فهو لا يصف هنا ملامح فحسب، بل يستدعي في وعى القارئ ذلك الرجل الطيب الناضج ، الذي يملك قلبًا مفعمًا بالمحبة، بينما يتجه قلب الفتاة إلى شاب، وهكذا يعيد النص بناء الموقف الإنساني .


عادل التوني 

تكشف بنية السرد على صراع داخلي، لا يقوم على منافسة بين شخصين،  وإنما على إدراك البطل لحقيقة موقعه من الزمن ، فهو يصغي إلى حديث الفتاة عن طالب الهندسة، ويكتفي بإبتسامة ، وربتة حانية على يدها،  وكأن حنانه يطغي على رغبته ، فتتحول التضحية إلى فعل صامت لا يحتاج إلى اعتراف.

 ومن هنا تكتسب شخصية الأستاذ حمدي بُعدها الإنساني، فهو لا يخسر حبيبته ، لأنه لم  يحاول امتلاكها أصلًا.


وقد احكم البناء السردي، بحالة التأمل التي فرضها البحر ،  وكشف عن البُعد الفلسفي ، حيث تحول إلى فضاء  للتأمل الداخلي ، فحركة البطل وهو يرفع عينيه إلى السماء ، ثم يهبط ببصره إلى البحر ، ليست عابرة ، وإنما رحلة رمزية تنتهي عند الأفق ،  حيث يبدو التقاء السماء بالماء ممكنًا ، بينما يظل في الحقيقة لقاءًا مستحيلًا ً ، ومن هنا يغدو الأفق معادلًا موضوعيًا لحياة الأستاذ حمدي ، فهو يرى حلمه كما يرى الافق قريبًا بالعين، بعيدًا عن المنال، ويأتي اختيار لحظة بدأ الغروب ليُضاعف هذه الدلالة ، فالبطل لم يبلغ نهاية العمر ، بينما يقف في مرحلة الأفول، حيث يتراجع الضوء تدريجيًا قبل أن ينطفئ تمامًا، كما لم تنطفئ قدرته على الحب رغم إدراكه بان الزمن قد مضى بفرصه، لذلك بدأ انتقاله من تأمل الأفق إلى استعادة الماضي، انتقالا نفسيًا طبيعيًا إذ يقوده المشهد إلى الغوص في أعماقه ، ليصبح الافق في النهاية أحد أهم رموز القصة، وتجسيدًا بصريًا لفلسفة عنوانها ، فالأيام كما تغزل ذكريات ، تغزل أيضًا أحلامًا تظل مُعلقة عند حدود الأفق تُرى ولا تُنال.


كما تتحرك القصة بين ثلاثة أزمنة تتقاطع داخل وجدان البطل، فالماضي يتمثل في الزوجة والأبناء الذي لم يبق منه سوى الصور ، والحاضر الذي يتجسد في لقاء الخميس ،حيث يمنحه دفئًا مؤقتًا، أما المستقبل فيمثله طالب الهندسة الذي تتطلع إليه الفتاة، وبين هذه الأزمنة يقف حمدي مُعلقًا، ومن هنا نتبع المأساة الحقيقية في النص، مأساة رجل تجاوزته حركة الزمن، بينما بقى قلبه قادرًا على الحب.


وتأتي الرموز الطبيعية  لتوسع البُعد الفلسفي ، فنسمة أغسطس الباردة، ورائحة الياسمين والبحر ،ثم المطر الذي يهطل في غير موعده ،  لتُصبح إشارات إلى عالم داخلي يرفض الخضوع لقوانين الواقع، فالمطر خارج موسمه يشبه ولادة مشاعر حب في عُمر تجاوز الخمسين، كلاهما ممكن ، لكنه لا يُغير حقائق الزمن ، لذلك حين تنعكس ملامح البطل على زجاج النافذة ، لا تكشف قطرات المطر سوى الخطوط التي رسمها العمر على وجهه، فيُصبح الزجاج مرآة للحقيقة ، بعد أن كان المطر رمزًا للحُلم.


وتأتي النهاية بتوقف السرد عند كلمة " تمتم" ، أكثر عناصر القصة قوة ، لأنها ترفض الإفصاح عن الكلمات الأخيرة، لتمنح القارئ حرية امتلاك الإعتراف، إن ما يعجز البطل عن قوله ، يصبح اكثر حضورًا مما لو نطق به ، وبذلك تنسجم النهاية مع فلسفة النص كله، حيث تظل المشاعر العميقة عصية عن التعبير.


النص نجح في توظيف التناص والرمز والزمن لبناء قصة لا تتحدث عن الحب ، بقدر ما تتأمل الإنسان ، وهو يكتشف ان  الأيام لا تغزل علاقته فحسب،  بل تغزل وحدته وذكرياته وصمته الأخير.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10973
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.