ضمن فعاليات "القاهرة التجريبي 33".. باحثون وفنانون: التجريب المسرحي خط الدفاع الأخير ضد تسليع الفن وهيمنة الرأسمالية
شهدت الدورة الثالثة والثلاثون من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، ندوة فكرية موسعة بعنوان «التجريب وآليات النظام الرأسمالي العالمي»، أدارها الأستاذ الدكتور أحمد مجاهد، وكان مقررها الأستاذ الدكتور عاطف بهجات، بمشاركة نخبة من النقاد والباحثين المسرحيين من مصر والمغرب والعراق وتونس.
ناقشت الندوة العلاقة الشائكة بين التجريب المسرحي والتحولات الاقتصادية والسياسية التي فرضها النظام الرأسمالي المعاصر، متسائلة عن مدى قدرة الإبداع المسرحي على الحفاظ على استقلاليته وفاعليته النقدية في ظل هيمنة "منطق السوق" وآليات تسليع الثقافة.
أحمد مجاهد: التجريب جوهره ثورة تفكك الواقع وتغيره
افتتح د. أحمد مجاهد الجلسة بطرح تساؤلات مفصلية حول موقع المسرح التجريبي من الأنظمة السائدة (الرأسمالية والنيوليبرالية)، مؤكداً أن التجريب في جوهره يمثل نوعاً من الثورة التي تجاوز حدود المغامرة الشكلية لتمتد إلى نقد الواقع وسعي جاد لتغييره.
وأشار مجاهد إلى تجربة نشأة المهرجان والتجريب في مصر، لافتاً إلى أنها جاءت في بدايتها "من أعلى" بدعم مؤسسي، وهو ما يفتح باب النقاش حول مدى جاهزية البنى الثقافية والاجتماعية في المنطقة العربية للاستجابة الكاملة للتحولات الفنية الجريئة.
عز الدين بونيت: من "سلعية الثقافة" إلى المختبر المسرحي المقاوم
من جانبه، تتبع الناقد المغربي د. عز الدين بونيت التاريخ الحضاري لتحول الثقافة إلى "سلعة" عبر محطات صناعية وتكنولوجية متلاحقة، بدأت بالمطبعة والصحافة ووصولاً إلى البث الرقمي والوسائط المعاصرة.

وأوضح بونيت أن التجريب المسرحي الحديث، منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مع ريادات مثل ستانيسلافسكي ومايرخولد، لم يكن مجرد بحث عن جماليات جديدة، بل جاء كـ "انتفاضة صريحة" لتحرير الفعل الإبداعي من سطوة النموذج التجاري والرأسمالي، وإعادة صياغة العلاقة بين المنتج والمؤلف والمتلقي بعيداً عن هيمنة قوة المال.
سيد الإمام: التجريب وليد أزمات البرجوازية الصغيرة
وفي تحليل تاريخي لسياقات الحركة المسرحية، حذر د. سيد الإمام من التوسع غير الدقيق في استخدام مفهوم "التجريب"، محدداً بداياته العملية في العقد الأخير من القرن التاسع عشر عند التقاء الواقعية والطبيعية بالرمزية.
وربط الإمام بين حركات التمرد التجريبي وأزمات الطبقة البرجوازية الصغيرة التي تلجأ في لحظات انكسارها إلى البحث عن أشكال تعبيرية بديلة لتفريغ الضغوط الرأسمالية، مشيراً إلى أن التمويل والدعم الحكومي للمؤسسات المسرحية يسهم أحياناً في الحفاظ على التراث، ولكنه يتسبب في الوقت ذاته في تحويل المؤسسة إلى كيان محافظ يقاوم التجديد.
علي شيبو: مواجهة "التشيؤ" ورفض تدجين النص والممثل
وأكد السفير والباحث علي شبيبو أن المسرح الحي يستمد شرعيته من الانغماس في الحاضر الراهن ومواجهة المنظومة الرأسمالية التي تجاوزت تنظيم الاقتصاد إلى صياغة الذائقة وتنميط نمط الاستهلاك.
واستحضر شبيبو مفهوم "التشيؤ" لدى جورج لوكاش وتحذيرات ثيودور أدورنو من خضوع الفن للمنطق السلعي، موضحاً أن خطورة النظام الحالي تكمن في تحويل الممثل إلى علامة تجارية وتدجين النصوص لتناسب ذائقة السوق. ودعا إلى استلهام تجارب برتولت بريخت (تقنية التغريب) وبيتر بروك (الفضاء العاري) كاستراتيجيات جادة لمقاومة التسطيح وإعادة تأسيس الحوار المباشر والحي مع الجمهور.
عمر بوجليده: خطورة استيعاب الرأسمالية للتمرد وتدجين الفن
وحذر الباحث التونسي د. عمر بوجليده من الآليات الناعمة التي تعتمدها المنظومة النيوليبرالية لمواجهة الفن التجريبي، مشيراً إلى أن الرأسمالية المعاصرة لا تحارب التمرد الإبداعي بالمنع دائماً، بل تعمد إلى "استيعابه وتدجينه" عبر التمويل ومهرجانات الصناعة الثقافية، مما يفرغ التجارب الجريئة من شحنتها الفكرية والنقدية.

ودعا بوجليده إلى ضرورة تجاوز المرجعيات الغربية الحصرية والرؤى الفلكلورية، والفتوح على التراث الإنساني والمصري القديم لإنتاج طاقة تحليلية قادرة على تفكيك الوعي الزائف وضخ روح المقاومة في الجسد المسرحي.
عاطف بهجت: التدافع بين مناهضة السلطة الشمولية وشراكة رأس المال
واختتم د. عاطف بهجات مداخلات الجلسة بتوضيح الطبيعة المزدوجة لعلاقة المسرح برأس المال عبر التاريخ:
العلاقة المناوئة: التي يتخذ فيها المسرح من رأس المال هدفاً للنقد والسخرية، كما في نموذج شخصية «كشكش بيه» للفنان نجيب الريحاني عام 1917 للتعريض بالصراع بين الفقراء وأصحاب الثروات.

العلاقة الداعمة: حين يضع رأس المال إمكاناته لخدمة المشروع الفني، متستشهداً بتجربة الأميرة عائشة فهمي مع يوسف وهبي في تأسيس «مدينة رمسيس» عام 1928 – كنموذج استثماري فني أسبق من مدينة ديزني – ومحاكاة الفنان محمد صبحي لها في «مدينة سنبل».
كما عرض بهجات لمسرحية «شارع المنافقين» للمخرج الجزائري أحمد رزاق، بوصفها نموذجاً عربياً معاصراً وظّف الكوميديا السوداء لدق ناقوس الخطر حول سيطرة البورصات والمؤسسات المالية العالمية على مصائر الشعوب.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك