النسور: خط الدفاع الأول ضد الأوبئة الصامتة.. وانقراضها خسارة فادحة
vulture-ecosystem-role.jpg
تحتلّ النسور مكانة فريدة بين الكائنات الحية بوصفها "عمّال النظافة الطبيعيين" في النظم البيئية، إذ تتغذى أساساً على جيف الحيوانات النافقة، وتُسهم بذلك في إزالة البقايا العضوية قبل أن تتحلل وتتحوّل إلى بؤر لانتشار الأمراض. وبفضل عصاراتها الهضمية شديدة الحموضة، تتمكن هذه الطيور من القضاء على مسببات أمراض خطرة قد تنتقل إلى الإنسان والحيوان على حد سواء.
دور بيئي يتجاوز التنظيف
في الأنظمة البيئية الطبيعية، تُسرّع النسور من دورة تدوير العناصر الغذائية وإعادتها إلى البيئة، كما تحول دون تراكم الجيف التي قد تتحول إلى بؤر لنمو الميكروبات وانتشار الحشرات والآفات. وتشير دراسات بيئية إلى أن النسور الأفريقية تستهلك ما يقارب 70% من جثث الثدييات ذات الحوافر في موائلها، ما يجعلها ركيزة أساسية للحفاظ على نظافة المواطن الطبيعية.
الهند: الدرس الأكثر إيلاماً في التاريخ الحديث
يمثّل ما جرى في الهند خلال العقود الثلاثة الماضية أوضح مثال موثق على الترابط بين صحة النسور وصحة الإنسان. فوفقاً لدراسة اقتصادية حديثة أعدّها الباحثان إيال فرانك من جامعة شيكاغو وأنانت سودارشان من جامعة وارويك، ونُشرت في دورية "أمريكان إيكونوميك ريفيو"، أدى الاستخدام الواسع لعقار "الديكلوفيناك" المضاد للالتهاب في علاج المواشي، بين عامي 1994 و2005، إلى تراجع أعداد النسور الهندية بأكثر من 95%، في واحدة من أسرع وأضخم حالات انهيار أعداد الطيور المسجّلة منذ انقراض حمام الركاب في الولايات المتحدة.
ومع اختفاء النسور، تكاثرت الكلاب السائبة التي حلّت محلها في استهلاك الجيف المتروكة في "مدافن الحيوانات" على أطراف المدن، وبما أن معدتي الكلاب والفئران أقل حمضية من معدة النسر، ارتفعت معدلات انتقال الأمراض المعدية، وتفاقمت مخاطر داء الكلَب في بلد يُعدّ أصلاً من أكثر بؤر هذا المرض انتشاراً في العالم.
ولم تقتصر النتائج على التقديرات النظرية؛ إذ توصّل الباحثان، بعد تحليل سجلات صحية من أكثر من 600 مقاطعة هندية ومطابقتها بخرائط الموائل التاريخية للنسور، إلى أن معدلات الوفيات لعموم الأسباب ارتفعت بما يزيد على 4% في المناطق التي كانت تصلح موطناً للنسور بعد اختفائها منها. وتُقدَّر الحصيلة البشرية لهذا الانهيار البيئي بنحو نصف مليون حالة وفاة زائدة بين عامي 2000 و2005 وحدهما، فيما قُدّرت الكلفة الاقتصادية السنوية لهذه الأزمة الصحية بنحو 69 مليار دولار.
تحديات متصاعدة تهدد بقاء الأنواع
تواجه النسور اليوم تحديات متزايدة نتيجة الأنشطة البشرية والتغيرات البيئية؛ فالتسمم الناتج عن بعض الأدوية البيطرية والمواد السامة، وفقدان الموائل الطبيعية، والاصطدام بخطوط الكهرباء، عوامل أسهمت مجتمعة في تراجع أعداد كثير من أنواع النسور حول العالم. كما يؤثر التغير المناخي في أنماط حركتها وتوزيعها الجغرافي، ويُحدث تحولات في توفر الغذاء والظروف البيئية التي تعتمد عليها للبقاء. وتُعدّ التغيرات المفاجئة في سلوك النسور وأعدادها مؤشراً مبكراً على اضطرابات بيئية أوسع، قد ترتبط بالتغير المناخي أو بضغوط بشرية أخرى.
ختاما:
حماية النسور استثمار في الصحة العامة
يؤكد الخبراء أن تراجع أعداد النسور لا يمثل خسارة لنوع من الطيور فحسب، بل يهدد استقرار النظم البيئية وصحة الإنسان في آن واحد.
هذه الطيور تؤدي خدمة بيئية بالغة الأهمية عبر الحد من انتشار الأمراض وتسريع التخلص من المخلفات الحيوانية، وهو ما يجعل من حمايتها والحفاظ على أعدادها ضرورة صحية واقتصادية، لا مجرد قضية حفاظ على التنوع البيولوجي، كما تكشف تجربة الهند التي دفعت فيها فاتورة بشرية واقتصادية باهظة ثمناً لغياب هذا "الطبيب البيئي" الصامت.
#vultures
#human-health-protection
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك