ليبيا وتونس: هل تنجح الدبلوماسية في حل عقدة الحدود والتجارة؟
libya-tunisia-borders-trade-diplomacy
ملف الحدود بين ليبيا وتونس يعود للواجهة: تهريب الوقود يستنزف الاقتصادين، وخبراء يدعون لفتح معابر جديدة وخط بحري لتخفيف الضغط الصيفي على النقاط الحدودية.
تعود ملفات العلاقات الليبية التونسية إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي، مع دعوات متجددة من الجانبين لتعزيز التنسيق الثنائي وحل الملفات العالقة، وفي مقدمتها حركة الأشخاص والبضائع عبر المعابر الحدودية المشتركة، في وقت يعاني فيه هذا الملف من إشكاليات متراكمة تتجاوز الترتيبات الإدارية إلى ملفات أعمق تتعلق بالتهريب والبنية التحتية للنقل.
اتفاقيات موقعة وعراقيل مستمرة
يقول الخبير الاقتصادي الليبي وحيد الجبو، في تصريحات لوكالة "سبوتنيك"، إن العلاقات التجارية بين البلدين تحمل مؤشرات إيجابية عديدة، مشيرًا إلى أن ليبيا وتونس وقّعتا عشرات الاتفاقيات الرامية إلى تعزيز التعاون التجاري والتبادل في مختلف المجالات، من بينها اتفاقية موقعة بين مصلحة الجمارك الليبية والإدارة العامة للديوانة التونسية تهدف إلى تسهيل حركة الشحنات بين البلدين بما يخدم نشاط التجار ورجال الأعمال.
غير أن الجبو يوضح أن ملف الحدود يظل مسألة قائمة بذاتها، مرتبطة بوجود عراقيل من الجانبين، وأن عمليات التهريب تمثل أحد أبرز أسباب المشكلات المستمرة على الحدود، خصوصًا تهريب الوقود الليبي إلى تونس، نظرًا لانخفاض سعره محليًا في ليبيا مقارنة بأسعاره في السوق التونسية، وهو ما يشجع شبكات التهريب على استغلال فارق الأسعار. ويضيف أن بعض المهربين يتجاوزون القانون عبر أنشطة تضر بالاقتصادين الليبي والتونسي معًا، مع استمرار شبكات منظمة تعتمد على دفع الأموال والرشى لتسهيل تمرير عملياتها، ما يستدعي في تقديره تشديد الرقابة ومواجهة هذه الشبكات وتعزيز التعاون الجمركي والأمني بين البلدين.
أزمة حدودية "أزلية" تتفاقم صيفًا
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي التونسي وليد الكسراوي أن طبيعة العلاقة الاقتصادية والسياحية بين البلدين، ومنطق العبور عبر الحدود المشتركة، يعاني من إشكاليات وصفها بـ"الأزلية" وليست ظرفية أو مؤقتة، تبلغ ذروتها خلال فصل الصيف نتيجة ضيق البوابات الحدودية وصغر حجمها وقلة أعدادها مقارنة بحجم الحركة، ما يتسبب في ازدحام متكرر عند نقاط العبور الرئيسية. ولمعالجة هذا الاختناق، يدعو الكسراوي إلى فتح منافذ برية جديدة، إلى جانب استحداث خط نقل بحري منتظم بين البلدين لتخفيف الضغط عن المعابر البرية وتنويع مسارات حركة البضائع والمسافرين.
وتجدر الإشارة إلى أن الجانب التونسي كان قد اتخذ خطوة في هذا الاتجاه سابقًا هذا العام، حيث أعلنت وزارة النقل التونسية عن انطلاق أول خط بحري دولي منتظم بميناء جرجيس جنوبي البلاد، مخصص لنقل البضائع ويربط بين مينائي جرجيس ورادس. ووفق بيان الوزارة، استقبل ميناء جرجيس 407 حاويات فارغة كانت في طريقها لإعادة الشحن عبر الميناء، في خطوة تندرج ضمن محاولات تونس تطوير بنيتها اللوجستية البحرية، وإن كان هذا الخط يربط تونس بوجهة أوروبية وليس بميناء ليبي مباشرة حتى الآن، ما يبقي مطلب خط بحري ليبي-تونسي مباشر قائمًا كما طرحه الكسراوي.
حجم ظاهرة التهريب في الأرقام
تكشف بيانات ومصادر متعددة عن اتساع نطاق ظاهرة تهريب الوقود الليبي، التي لا تقتصر تداعياتها على الملف الحدودي مع تونس فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد الليبي ككل. فبحسب تقرير لشبكة الجزيرة، لا ينحصر أثر تهريب الوقود في قطاع الطاقة، بل يمتد إلى مجمل الاقتصاد الليبي، إذ تعني كل زيادة في فاتورة الاستيراد استنزافًا إضافيًا للموارد العامة وتقليصًا للإنفاق الممكن توجيهه إلى قطاعات أخرى كالصحة والتعليم والبنية التحتية. ويوضح التقرير أن عمليات التهريب تحولت خلال العقد الأخير من أنشطة محدودة إلى شبكات منظمة تستفيد من امتداد الحدود البرية الليبية التي تتجاوز 4300 كيلومتر، والسواحل الطويلة على المتوسط، إضافة إلى فوارق الأسعار الكبيرة مع دول الجوار.
كما رصدت تقارير اقتصادية متخصصة أرقامًا لافتة بشأن حجم التهريب عبر السواحل الليبية؛ إذ أشارت بيانات نشرها موقع "الطاقة" إلى أن حجم الديزل المهرب من ميناء بنغازي وحده بلغ نحو 578 ألف طن متري بين أكتوبر 2025 ويناير 2026، ضمن تدفقات إجمالية تجاوزت 688 مليون لتر، مع رصد عمليات إضافية شملت ما لا يقل عن 50 شحنة من منتجات مكررة غير قانونية بلغت نحو 636 ألف طن متري، نُقلت عبر مسارات بحرية معقدة اعتمدت على تقنيات تمويه وإعادة شحن في عرض البحر. وبحسب التحقيقات ذاتها، استُخدمت شركات واجهة لتوزيع الوقود المهرب داخل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا بأسعار أقل بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بأسعار السوق المحلية. (شبكة لتهريب الوقود من ليبيا إلى 5 دول عربية وأوروبية - الطاقة +2)
و كشف تقرير أممي حديث عن استمرار نشاط شبكة تهريب دولية عبر الموانئ الليبية، إذ تستغل الشبكة سيطرة الجماعات المسلحة على الموانئ وضعف مؤسسات الدولة الرسمية، مستهدفة موانئ رئيسية من بينها بنغازي القديم وطبرق ورأس لانوف، وذلك عبر شركات وهمية وأصول بحرية وأطراف متواطئة لإخفاء الملكية وغسل عائدات التهريب.
أما على المستوى الإقليمي الأوسع، فقد أوضحت تقارير محلية ليبية أن الوقود المهرب من ليبيا لا يتجه إلى تونس فقط، بل يمتد أيضًا إلى تشاد والنيجر، ضمن منظومة تهريب إقليمية في منطقة الساحل يقدَّر حجمها الإجمالي بنحو 5 مليارات دولار، وتتحكم فيها أربعة تدفقات رئيسية، من بينها تدفق مباشر من ليبيا إلى النيجر وتشاد.
تشاور سياسي رفيع المستوى
تأتي هذه التطورات في وقت أكد فيه رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي والرئيس التونسي قيس سعيد أهمية رفع وتيرة التشاور بين البلدين لمعالجة الملفات العالقة، في إشارة إلى أن الملف الحدودي والتجاري بات حاضرًا على أجندة القيادتين، لا في الأطر الفنية والجمركية فقط بل في الحوار السياسي المباشر بينهما أيضًا.
ختاما
يبدو أن معالجة عقدة الحدود والتجارة بين ليبيا وتونس تتطلب مقاربة مزدوجة: من جهة، تشديد الرقابة الجمركية والأمنية لمواجهة شبكات تهريب الوقود التي تستنزف موارد البلدين وتغذي اقتصادًا موازيًا يمتد تأثيره إلى دول أوروبية وأفريقية أخرى؛ ومن جهة أخرى، استثمار سياسي وبنيوي في توسيع البنية التحتية الحدودية، عبر فتح منافذ برية إضافية واستكمال مشاريع الربط البحري بين البلدين، بما يخفف الضغط الموسمي عن المعابر ويحول التبادل التجاري المشروع إلى رافعة اقتصادية حقيقية بدل أن يظل رهينة الازدحام والتهريب.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك