من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفصل الثاني ..الإسكندرية كما تراها ليديا

عادل التوني
الفصل الثاني ..الإسكندرية كما تراها ليديا


                            

- نانسي .. كمل يا أستاذنا.

 الظاهر إنها بداية قصة مشوقة. 

 حاضر .. هاكمل. 

في صباح اليوم التالي، استيقظت قبل موعد المنبّه، مع أنها ليست من عاداتي.

لم يكن السبب حماسي للمؤتمر الأدبي، بل انتظار لقاء وعدتني به فتاة لم يمض على معرفتي بها سوى يوم واحد، ومع ذلك شعرت كأنها جزء قديم وغريب من حياتي.

ارتديت بدلتي على عجل، وتوجهت إلى كلية الآداب، حيث كانت قاعات المؤتمر تضج بأصوات الطلاب والأساتذة القادمين من جامعات مختلفة. 

امتلأت القاعة بالأوراق البحثية والنقاشات الأكاديمية، لكن ذهني كان منشغلًا بشيء آخر

كنت أبحث عنها.

- لم يطل انتظاري. 

ظهرت ليديا بين أعضاء اللجنة المنظمة، تتحرك بخفة وثقة، تستقبل الضيوف، وترشد المشاركين إلى القاعات، وتجيب عن الأسئلة بابتسامة لا تغادر وجهها.

كانت مختلفة.

في الأمس رأيت فيها فتاةً هادئة تخفي ابتسامتها خلف حيائها، أما اليوم فاكتشفت أخرى تقود الموقف بثقة، وكأن الهدوء الذي ظننته رقةً لم يكن إلا وجهًا آخر للقوة.

التقت عينانا للحظة، فاكتفت بابتسامة صغيرة، ثم أشارت لي بيدها.  

ابتسمت دون إرادة.

جلست وكأن على رأسي الطير إلي أن انتهت الجلسة.

انتهت فعاليات اليوم الأول مع اقتراب العصر.

خرجت من القاعة، فوجدتها تنتظر عند الباب.

قالت وهي تزيح شعرها خلف أذنها، وكأنها لا تدعوني إلى جولة في المدينة، بل إلى عالمها الخاص:

  - مستعد تشوف الإسكندرية بعيون أصحابها؟

ضحكت.

  - من امبارح وأنا مستني السؤال ده

قالتها بثقة:

- يبقى يلا بينا.

سرنا معًا في شارع فؤاد ، أقدم شوارع المدينة وأكثرها احتفاظًا بذاكرة الزمن.

- أليس هذا هو الشارع الذي مشينا فيه أمس؟ كأنه ما زال يحتفظ بخطواتنا. 

- نعم .. هو .. فقط اتبع عيني.

كانت تشير إلى المباني القديمة واحدًا تلو الآخر.

- المبنى ده عمره أكتر من مية سنة، وهنا كان بيقعد كبار الأدباء، وده كان بيت تاجر يوناني مشهور.

لم تكن تذكر معلومات محفوظة، بل كانت تحكي كما لو كانت تستعيد ذكريات شخصية.

قلت لها مبتسمًا:

- إنتِ بتحبي الإسكندرية ولا الإسكندرية هي اللي بتحبك؟

ضحكت:

- الاتنين... دي المدينة الوحيدة اللي بحس إنها فاهماني.

توقفنا أمام واجهة حجرية تحمل نقوشًا قديمة باهتة.

مدّت يدها تتحسس الحجارة برفق.

- تعرف؟ 

جدي كان بيحكيلي إن الإسكندرية عمرها ما كانت مدينة لناس شبه بعض... كانت دايمًا بتجمع المختلفين.

نظرت إليّ:

- يمكن علشان كده بحبها.

- ومن منا لايحبها؟

تأملت كلماتها أكثر مما تأملت المبنى نفسه.

كان حديثها يحمل شيئًا أعمق من التاريخ.

واصلنا السير حتى وصلنا إلى مكتبة صغيرة لبيع الكتب القديمة في شارع النبي دانيال.

وقفت أمام الرصيف، كأنها وجدت كنزًا!

دخلت مباشرة، بينما تبعتها وأنا أبتسم.

بدأت تتصفح الكتب بشغف طفلة عثرت على لعبتها المفضلة.

سحبت ديوانًا شعريًا وقدّمته لي.

اقرأ لبايرون، هتفهم ليه الناس كانت بتحبه.

ابتسمت وأنا أقلب صفحاته. 

أُفضل نزار . 

واضح إنك في مهمة لتحوليّ إلى عاشق للأدب الإنجليزي.

قالت ضاحكة:

مش للأدب الإنجليزي. للقراءة نفسها.

اشترت كتابًا قديمًا عن تاريخ الإسكندرية، وأنا اشتريت ديوان الرسم بالكلمات لنزار ثم خرجنا من المكتبة نكمل جولتنا.

مع اقتراب الغروب وصلنا إلى الميناء.

كانت الشمس تذوب ببطء داخل البحر، تاركة السماء مزيجًا من البرتقالي والذهبي.

جلسنا فوق السور الحجري، نتأمل حركة المراكب الصغيرة وهي تعود من رحلاتها.

أخرجت ليديا دفترًا صغيرًا من حقيبتها.

فتحت إحدى صفحاته، وبدأت تكتب.

راقبتها بصمت.

سألتها بعد لحظات:

  - بتكتبي إيه؟

قالت دون أن ترفع رأسها:

- اللحظات اللي بخاف أنساها.

- وليه هتنسيها؟

ابتسمت ....

- لأن الذاكرة بتخون 

أما الورق، فبيسامح.

أغلقت الدفتر سريعًا عندما حاولت النظر إليه.

- لسه بدري.

- على إيه؟

- إن حد يقرأ اللي جوايا!

جلسنا دقائق طويلة نحدق في البحر.

لم نتبادل كلمة واحدة، لكن الصمت بيننا لم يكن فراغًا، ولا مُحرجًا.

كان صمتًا يعرف الطريق إلى القلب، حتى خُيّل إليّ أن الموج يتكلم نيابةً عنا، وأن أنفاسنا وحدها تكفي لتقول كل ما عجزت عنه الكلمات.

في تلك اللحظة أدركت أن أجمل الأحاديث ليست دائمًا تلك التي تُقال، بل تلك التي يكفي فيها أن يكون من تحب إلى جوارك.

بعد قليل قالت:

- البحر ده علمني حاجة.

نظرت إليها...

إيه؟

- إن كل موجة مهما كانت قوية... لازم تهدى.

ثم ابتسمت وهي تنظر إلى البحر.

  - يمكن علشان كده باجي هنا كل ما أتعب

- "تحبي تسمعي قصيدة من ديوان نزار؟"

- من منا لا يضعف أمام نزار؟

أريد فقط سماع بيت من قصيدة (إلي تلميذة) أحببته جدًا.

- وماهو بيت الشعر؟

- الديوان في إيدك ياأستاذ.

- امممم .. عندِك حق .   

- أمري لله.. أنا هاقلك بيت الشعر.

فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً

فالصمت في حرم الجمال .. جمالُ

بالفعل .. هو الجمال بعينه...

                            *** 










                             مابعد نزار!  

                               ـــــــــــــــــــــــ              

في اليوم التالي، ألقيت كلمتي في الجلسة الختامية للمؤتمر.   

تحدثت عن الأدب باعتباره جسرًا بين البشر، لا جدارًا يفصل بينهما.

وحين انتهيت، كان التصفيق يملأ القاعة.

لكن أكثر ما أسعدني أنني رأيت ليديا تصفق وهي تنظر إليّ بفخر لم أستحقه بعد.


بعد انتهاء الجلسة اقتربت مني

قالت:

كنت بتتكلم من قلبك، وده بيوصل قبل أي كلام.

شكرتها ..

قالت في هدوء:

- عندي مكان نفسي أروحله معاك قبل ما ترجع القاهرة

مع حلول المساء، التقينا عند كورنيش الإسكندرية.

كان النسيم يحمل رائحة البحر، والأضواء تنعكس على صفحة الماء في خطوط متكسرة.

سرنا حتى وصلنا إلى شاطئ ستانلي.

وقفت تنظر إلى البحر طويلًا.

ثم قالت بصوت منخفض:

ماتعرفش بيغسلني أد إيه البحر

ليه؟

  وبيعمل إيه البحر؟

ابتسمت.

- بيسمعني من غير ما يحكم عليّا

ساد بيننا صمت قصير.....

التفتت نحوي..

  - عمرك حبيت؟

ترددت لحظة.

ثم قلت:

- "كنت فاكر إني حبيت قبل كده... لكن اللي حسيته لما شوفتك في الأوتوبيس كان

مختلف."

خفضت رأسها..  

ابتسمت بخجل..

ثم قالت وهي ترسم بإصبعها دوائر صغيرة فوق الرمل:

- وأنا أول مرة أحس إن حد دخل حياتي بسرعة كده... ومن غير استئذان.

ضحكت.

- "ده معناه إننا الاتنين في نفس الورطة."

ضحكت هي الأخرى.

- أجمل ورطة.

وكانت ضحكتها من أجمل ضحكات البحر.

و قبل أن نفترق

قالت بهدوء:

- تعرف.

يمكن الإنسان يقابل مئات الأشخاص في حياته، لكن فيه شخص واحد بس بيغيّر طريقة نظرته للعالم.

نظرت إليها طويلًا...

ثم قلت:

- "وإنا قابلت الشخص ده" 

رفعت عينيها نحوي.

لم تقل شيئًا.

"لكن ابتسامتها كانت ترتسم على وجهها توحي بأنها تريد أن تقول شيئًا، لكنّها لم تقله، وكأن شيئًا ما كان يُحيّرها"

تصافحنا للمرة... 

وافترقنا، لكنني كنت أعلم أن الذي غادر هو جسدي وحده عنها.

أما قلبي، فقد اختار أن يبقى هناك... بين شوارعها القديمة، وعلى كورنيش البحر الذي احتضن صمتنا، وفي المقهى الذي شهد أول مصافحة، وأول ابتسامة، وأول لحظة أدركت فيها أن بعض اللقاءات لا تشبه سواها.

لم تعد الإسكندرية بالنسبة إليّ مدينةً سافرت إليها لحضور مؤتمر، ولا محطةً عابرة في رحلة عمل. 

منذ ذلك اليوم، أصبحت مكانًا أعود إليه كلما أغمضت عيني، ومدينةً يسكنها جزءٌ مني لا يعرف طريق العودة. 

صار لكل شارع فيها ذكرى، ولكل موجة بحر همسة، ولكل نسمة هواء شيءٌ من حضورها.

لم أشعر أنني أودع مدينة، بل كنت أترك خلفي حياةً كاملةً كنت أتمنى لو بدأت قبل ذلك بسنوات.

وحين ابتعدت عني، أدركت أن بعض الوداع لا ينتهي عند آخر مصافحة، بل يبدأ منها.

هناك... 

بين زرقة البحر ورائحة الملح، تركت جزءًا من قلبي، وأخذت معي قلبًا امتلأ بفتاة لم تستطع الأيام، ولا المسافات، ولا انشغال الحياة أن تنتزعها من ذاكرتي.

اسمها .. 

ليديا.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10995
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.