من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

بعد مرور 28 عاما على رحيله .. ماذا بقي من فريد شوقي ؟

القاهرة: خالد بيومي
بعد مرور 28 عاما على رحيله .. ماذا بقي من فريد شوقي ؟


​«وحش الشاشة» الذي تحول إلى مُشرِّع قانوني: كيف أعاد فريد شوقي صياغة السينما والمجتمع؟

​عنوان فرعي: قراءة استقصائية في مسيرة «ملك الترسو»: من أزقة «البغالة» بالسيدة زينب إلى تغيير التشريعات المصرية وإعادة اكتشاف الذات الفنية.

​المقدمة:

الظاهرة التي تجاوزت حدود الكاميرا

​هناك فنانون يمرون على شاشة السينما كما يمر العابرون، وهناك قلة استثنائية تحفر أسماءها في وجدان الشعوب لتصبح جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية واليومية. لم يكن الفنان القدير فريد شوقي مجرد ممثل يقف أمام الكاميرا ليؤدي دوراً وينصرف، بل كان حالة مصرية كاملة، رجلاً خرج من قلب الحارة الشعبية وصعد سلم المجد درجة درجة حتى أصبح «ملك الترسو»، و«وحش الشاشة»، و«الملك».

​تتجلى أعظم حكاية في مسيرة فريد شوقي في استطاعته، خلال النصف الثاني من حياته الفنية، أن يهدم الصورة النمطية التي صنعت شهرته الأولى، ويعيد اكتشاف نفسه من جديد، رافضاً أن تكون الشخصية التي أحبها الجمهور سجناً يقتله فنياً.

​1. من أزقة «البغالة» إلى محراب الفن: الجذور والحسابات العائلية

​ولد محمد شوقي عبده حسنين الزيادي (الشهير بـ فريد شوقي) في 30 يوليو 1920 بشياخة البغالة التابعة لحي السيدة زينب بالقاهرة، وهو الحي الذي شكل وجدانه ومنحه المادة الخام التي استمد منها تفاصيل معظم شخصياته وأفلامه لاحقاً.

​نشأ فريد في أسرة ذات أصول أسرية ممتدة (أب من أصول تركية يعمل موظفاً حكومياً وأم مصرية). وكان والده يرى في الوظيفة الحكومية الأمان والاستقرار؛ واستجابة لرغبة والده، حصل فريد شوقي على دبلوم معهد الهندسة التطبيقية، إلا أن شغفه الجارف بالفن جعله يلتحق بالمعهد العالي للتمثيل، ليتخرج ضمن دفعة المعهد الأولى عام 1947 رفقة قامات كبيرة تحت إشراف زكي طليمات.

​ وثيقة تاريخية طريفة من البدايات:

من أجل الفن ومواجهة التحديات المالية في بداياته، يُذكر في التراث الفني التوثيقي أن فريد شوقي اضطر لرهن بدلته وسرقة فستان والدته لتدبير مصاريف مسرحياته الأولى مع فرقة المعهد، مما يعكس حجم الإصرار والمغامرة في زمن كان الفن فيه يُعد مخاطرة غير مضمونة النتائج.

​2. فخ «الشرير» والتمرّد الصارم على النمطية

​بدأ فريد شوقي رحلته السينمائية بأدوار صغيرة، وكان أول ظهورو بارز له في فيلم «ملاك الرحمة» (1946) مع يوسف وهبي، ثم فيلم «ملائكة في جهنم» (1947) للمخرج حسن الإمام. وسرعان ما حاصرته السينما في قالب الشرير: الرجل القوي، البلطجي، المجرم، والخصم الذي ينتهي أمره دائماً بالهزيمة على يد البطل.



​وكان من السهل جداً أن يقع ممثل آخر في فخ هذه الصورة النمطية والاستسهال، لكن فريد شوقي كان يراقب مسيرته بذكاء نادراً ما يوجد. أدرك أن الاستمرار في تقديم الشرير المجرد تحول إلى قالب يُهدد مسيرته بالجمود والهزيمة. ومن هنا بدأ تمرد فريد شوقي الكبير؛ فقرر التحول من الشرير الذي يكرهه الجمهور إلى «البطل الشعبي» الذي يدافع عن المظلومين ويأخذ حق الفقراء من قوى البطش.

​3. حين تتحول السينما إلى قوة تشريعية: أفلام غيّرت القوانين المصرية (تفاصيل موثقة)

​لم تكن تجربة فريد شوقي مجرد نجاح جماهيري في سينمات الترسو والدرجة الثالثة، بل تحولت إلى أداة تغيير اجتماعي وقانوني مباشر في تاريخ مصر، وهو ما تتوقف عنده «نقاش» بالتوثيق والدراسة عبر محطتين تشريعيتين بارزتين:

​⚖️ المحطة الأولى: فيلم «جعلوني مجرماً» (1954) وتعديل قانون الأحداث

​تفاصيل العمل: قام فريد شوقي بكتابة قصة الفيلم وإنتاجه، وشارك في السيناريو والحوار السيد بدير والأديب العالمي نجيب محفوظ، وأخرجه عاطف سالم. ناقش الفيلم مأساة الشباب والأطفال الذين يدخلون إصلاحيات الأحداث ثم يخرجون للمجتمع فيواجهون بالرفض بسبب «الصحيفة الجنائية» (الفيش والتشبيه).

​الأثر القانوني الموثق: عقب النجاح الجماهيري والدوي الاجتماعي الهائل للفيلم، أصدرت السلطات التشريعية في مصر قانوناً جديداً ينص على «مسح السابقة الأولى من الصحيفة الجنائية للأحداث» لمنح المخطئ فرصة حقيقية لبدء حياة جديدة، وهو تشريع تاريخي يُحسب لفريد شوقي وسينمائه.

​ المحطة الثانية: فيلم «كلمة شرف» (1972) وحقوق المساجين الإنسانية

​تفاصيل العمل: كتب فريد شوقي قصة الفيلم وأنتجه، وشاركه البطولة أحمد مظهر ورشدي أباظة. طرح الفيلم قضية إنسانية شديدة الحساسية تتعلق بحق السجين في الخروج المؤقت لزيارة أهله في الحالات الإنسانية القاهرة (كالوفاة أو المرض الشديد أو الزفاف).

​الأثر القانوني الموثق: أسفر النقاش المجتمعي والضغط الإعلامي الذي أحدثه الفيلم عن تعديل قانون مصلحة السجون في مصر، واستحداث مادة قانونية تسمح للسجناء بـ «إجازات وزيارات استثنائية خارج السجن» تحت إشراف أمني في المناسبات والحالات الإنسانية.

​مقولة خُلدت في تاريخ السينما:

"السينما الحقيقية ليست مجرد وسيلة للتسلية وقتل الوقت، بل هي الضمير الحي الذي يسلّط الضوء على مناطق الظل ويملك القوة لإعادة صياغة القوانين وحماية المستضعفين."

​4. النصف الثاني من المسيرة: إعادة اكتشاف الذات والوجه الإنساني

​لم يقف طموح «وحش الشاشة» عند سينما الحركة والأكشن للبطل الشعبي، بل أحدث نقلة نوعية أخرى في أواخر السبعينيات والثمانينيات. اتجه إلى تقديم أدوار اجتماعية وإنسانية تتسم بالعمق والحساسية الشديدة، وقدم شخصية الأب والمواطن البسيط والمطحون.



​ومن أبرز هذه المحطات فيلم «لا تبك يا حبيب العمر» (1979) للمخرج حسام الدين مصطفى، والذي قدم فيه فريد شوقي دور الأب المكلوم ببراعة هزت وجدان الشارع المصري، لدرجة أن رئيس الجمهورية الأسبق محمد أنور السادات اتصل بفريد شوقي شخصياً بعد مشاهدة الفيلم وقال له تأثراً: «أبكيتني يا فريد». كما تجلت عبقريته في أفلام مثل «السقا مات» (1977)، و«الباطنية» (1980)، وصولاً إلى الدراما التلفزيونية الخالدة مثل «الشهد والدموع»، و«صابر يا عم صابر»، و«البخيل وأنا».

​5. الوجه الآخر: الوحش الذي يبكي خوفاً ورقة (حقائق موثقة)

​على العكس من الصورة الذهنية الذهبية للرجل القوي الصارم الذي لا يُقهر على الشاشة، تكشف الوثائق والشهادات التاريخية عن وجه إنساني رقيق وشديد الحساسية لفريد شوقي:

​دموع أمام الحقنة: تحكي الفنانة الكبيرة هدى سلطان (التي ارتبط بها فريد شوقي لسنوات طوال وشكلا ثنائياً فنياً وإنسانياً شهيراً) أنه عندما مرضت ابنتهم «ناهد» وتقرر إعطاؤها حقنة بنسلين، بكت الطفلة، فما كان من فريد شوقي إلا أن انخرط في بكاء حاد معها عاجزاً عن تحمل رؤية ابنته تتألم، وظلت هدى سلطان تهدئ الاثنين معاً!

​الخوف من الحشرات: كان «وحش الشاشة» الذي يصرع العصابات في الأفلام يصاب بالرعب الشديد من الحشرات الصغيرة كالصرار، وكان ينادي أسرته في المنزل للتعامل معها!

​ الإرث الباقي  لملك الترسو

​رحل الفنان القدير فريد شوقي عن عالمنا في 27 يوليو 1998، بعد أن أثرى المكتبة السينمائية والتلفزيونية بما يزيد عن 300 عمل فني، وأنتج أكثر من 80 فيلماً ساهمت في دعم صناعة السينما المصرية وتصديرها للعالم العربي.

​إن قراءة مسيرة فريد شوقي في موقع «نقاش» تؤكد أن سر خلود هذا الفنان لم يكن فقط في الموهبة والحضور الطاغي، بل في وعيه النادر بدوره الثقافي والاجتماعي، وقدرته الاستثنائية على الخروج من سجن النجومية التقليدية إلى رحاب التغيير والحرية الفنية.

​#نقاش_دوت_نت 




التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10997
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.