خلف "سلوكيات الطفل المشاغب".. صرخة مكتومة طلبًا للاهتمام واكتشافًا للمواهب الخفية
تُشير التحليلات النفسية والسلوكية الحديثة في مجال تربية الأطفال إلى أن السلوك السلبي أو ما يُعرف بـ "إثارة المشاكل" لدى الأطفال، نادراً ما يكون مجرد رغبة مجردة في العناد أو إلحاق الضرر، بل يقف خلف هذا السلوك في معظم الحالات طفل يعاني من "عدم الرؤية" داخل بيئته الأسرية، فيلجأ إلى التصرفات المزعجة كرسالة استغاثة غير مباشرة ومحاولة لجلب الانتباه والتعبير عن آلامه النفسية الدفينة. وتتضاعف هذه الأزمة النفسية بشكل ملحوظ عندما يعيش الطفل في ظل شقيق أو شقيقة يستأثر باهتمام الأسرة والشرائح الاجتماعية المحيطة بفضل الجمال الخارجي، أو التفوق الدراسي الملحوظ، أو الإنجازات الرياضية وحصد البطولات.
إن اجتماع هذه الميزات في أحد الأبناء يضع الطفل الآخر في مقارنة حادة ومستمرة —حتى وإن كانت غير معلنة من الأهل— مما يولد لديه شعوراً عميقاً بالغيرة والضآلة. وتتحول هذه المشاعر تلقائياً إلى سلوكيات مضايقة واستفزاز موجهة نحو الشقيق "المثالي"، ليس بدافع الكره الشرير، بل كحيلة دفاعية لاواعية يصرخ من خلالها الطفل ليثبت وجوده وتساويه في الأهمية. وتتعدد الوسائل التي يتبعها الطفل غير المتشاف لتعويض هذا الشعور بالنقص؛ فإلى جانب افتعال المشاكل المنتظم، يظهر لديه أحياناً ميل استهلاكي محدد يتمثل في المطالبة المستمرة بشراء الألعاب والمتعلقات الجديدة بشكل مكثف للظهور بها أمام أقرانه، وهو ما يفسره علم النفس التربوي بكونه "تعويضاً نفسياً" يحاول من خلاله إبهار المحيطين به للحصول على التقدير الخارجي الذي يفتقده في بيئته المنزلية.
تكمن الجذور الحقيقية لهذه الأزمة في تضييق المجتمع والآباء لمفهوم "التميز" وحصره في معايير نمطية محددة؛ حيث تُشير نظرية "الذكاءات المتعددة" للعالم النفسي هوارد غاردنر إلى أن الذكاء والتميز يمتدان لمهارات وشغف متعدد غالباً ما يتم تجاهله، ك الذكاء العاطفي المتمثل في حنان الطفل وقدرته العالية على الاحتواء، أو الذكاء البصري كشغف الرسم والألوان، أو الذكاء الاستكشافي المتمثل في حب التجربة والاكتشاف. وإن إغفال هذه النقاط القوية يُشعر الطفل بأن ذاته بلا قيمة، مما يتطلب معالجة الجذر النفسي للمشكلة بدلاً من الاكتفاء بمعاقبة الأفعال الظاهرية.
يبدأ حل هذه الأزمة من منح الطفل التقبل غير المشروط وإشعاره بأنه محبوب لذاته بعيداً عن أي مقارنات، إلى جانب تخصيص "وقت نوعي" يومي للعب معه والاستماع الصادق لمشاعره لتلبية احتياجاته النفسية. كما يتطلب الأمر من الوالدين ممارسة التعاطف مع الذات والرحمة بها؛ إذ لا يمكن تقديم الاحتواء العاطفي للطفل في ظل النفاذ الطاقي أو الضغط النفسي المستمر، مع أهمية عدم الخجل من طلب الاستشارة المختصة من أطباء وخبراء التربية والسلوك عند الحاجة، لتتحول هذه المشاغبة الظاهرية إلى استقرار نفسي ونقاط قوة حقيقية تُبني عليها شخصية الطفل.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك