من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

سيكولوجيا الألوان: لماذا تُغطي طاولات القمار باللون الأخضر؟.. عن رمزية "التقلب" وتاريخ "اللا ثبات"

القاهرة : خالد شحاتة
سيكولوجيا الألوان: لماذا تُغطي  طاولات القمار باللون الأخضر؟.. عن رمزية



قد يبدو خيار المفرش الأخضر الذي يغطي طاولات البلياردو وأوراق اللعب وصالات المراهنات العالمية مجرد مصادفة ديكورية أو لمسة جمالية اعتيادية، لكن التاريخ الثقافي والكيميائي للألوان يكشف عن جذور أكثر عمقاً؛ جذور ترتبط بتقلبات الحظ، وزوال الطبيعة، وتاريخ طويل من عدم الثبات.

​فلسفة الصيرورة وسحر الحظ

​استناداً إلى المفكر والمؤرخ هيرمان بلاي في كتابه «ألوان شيطانية ومقدّسة»، لم يكن اختيار الأخضر لطاولات المراهنات وليد المصادفة. فاللون الأخضر — باعتباره لون الأرض والنبات — يمثل في الذهنية القديمة "الصيرورة الدائبة" ودورة الفصول المتغيرة. إن خضرة الطبيعة لا تدوم؛ فهي تذبل مع الخريف وتختفي في الشتاء، مما جعل اللون مرتبطاً مفهومياً بخاصية الزوال وعدم الثبات.

​هذا الرابط الرمزي بين الخضرة والتقلب جعل من الأخضر المعادل البصري لـ "عشوائية الأقدار". وكما تتغير الفصول دون سلطان للإنسان عليها، تتغير حظوظ اللاعبين على طاولات القمار بين ليلة وضحاها، ليصبح السطح الأخضر مسرحاً رمزياً للخير والشر والمخاطرة المشكوك في نتائجها منذ العصور الوسطى.

​التاريخ الكيميائي: لون عصيٌّ على الثبات

​لا تقتصر المأساة التاريخية للون الأخضر على بُعدها الرمزي فحسب، بل تمتد إلى المعامل الكيميائية. فعلى مدى قرون طويلة، كان تثبيت الصباغ الأخضر على الأقمشة من أصعب المهام؛ حيث كانت الألوان الخضراء المشتقة من أكسدة النحاس (مثل "الزنجار") سريعة التحلل والبهوت بمجرد تعريضها للضوء أو الهواء.

​وفي القرن الثامن عشر، ابتكر الكيميائي كارل شيله صبغة خضراء شهيرة عرفت بـ "أخضر شيله"، غير أن هذه الصبغة كانت تحتوي على نسبة عالية من مركب "زرنيخيد النحاس" السام. وتسبب هذا اللون في حالات تسمم شهيرة، حتى سرت تكهنات بأن وفاة نابليون بونابرت في جزيرة سنت هيلانة كانت بسبب استنشاقه لزرنيخ ورق الحائط الأخضر في مقر إقامته. هذا التاريخ الكيميائي المضطرب عزز الفكرة الشائعة بأن الأخضر لون "خادع ومريب".

​الوظيفة العملية: سيكولوجيا الإضاءة والتباين

​بعيداً عن البعد الفلسفي والكيميائي، تحول الأخضر إلى خيار قياسي لطاولات اللعب بفضل أسباب عملية وسيكولوجية تطورت منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر:

​تقليل إجهاد العين: في العصور القديمة، كانت ألعاب المراهنات تستمر لساعات طويلة تحت إضاءة الخفت (الشموع ولاحقاً مصابيح الغاز). وأثبتت التجارب أن اللون الأخضر يقع في منتصف الطيف المرئي، مما يتطلب أقل قدر من ضبط عدسة العين ويقلل الإجهاد البصري للاعبين.

​التباين البصري: يتيح القماش الأخضر المصنوع من الصوف الملبد (Baize) تبايناً مثالياً مع أوراق اللعب (التي يغلب عليها الأبيضان والأحمر الأسود) ومع الكرات العاجية في لعبة البلياردو، فضلاً عن قدرته على إخفاء آثار الطباشير والخدوش.

​ثنائية المقدس والشيطاني: اختلاف الثقافات

​تظهر مفارقة الأخضر بوضوح عند المقارنة بين الثقافات؛ ففي الوقت الذي كان يُنظر فيه إلى الأخضر في العصور الوسطى الأوروبية بشك وتوجس — باعتباره لون الساحرات، والجن، والحظ المتقلب، والسموم — كان اللون ذاته يحمل في الثقافة الإسلامية والشرقية رمزية ناصعة ترتبط بالجنة، والحياة، والخصوبة، والتجدد الدائم.

​هذه الثنائية الحادة تجعل من الأخضر نموذجاً فريداً لكيفية تشكيل الألوان داخل الأنسجة الثقافية والاجتماعية؛ فهو في أروقة المراهنات عنوان للمخاطرة وعدم اليقين، بينما يظل في حضن الطبيعة والتراث رمزا للولادة والبعث.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11002
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.