اختبار ألماني بين الشراكة والعدالة: "هيومن رايتس ووتش" تطالب برلين بمواجهة بن زايد حول "ملف السودان" وحقوق الإنسان
تصاعدت الضغوط الحقوقية الدولية على الحكومة الألمانية قبيل الزيارة المرتقبة لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إلى برلين في 10 سبتمبر الجاري؛ حيث دعت منظمة "هيومن رايتس ووتش" القيادة الألمانية إلى عدم فصل علاقاتها الاقتصادية والأمنية الآخذة في التوسع مع أبوظبي عن مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية تجاه الفظائع المستمرة في السودان والسجل الحقوقي الداخلي للإمارات.
وفي بيان رسمي صدر في 7 سبتمبر 2026، حثت المنظمة الدولية كلاً من المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس فرانك-فالتر شتاينماير على استغلال المحادثات الرسمية للتصدّي علناً للاتهامات الموجهة لأبوظبي بدعم "قوات الدعم السريع" في النزاع السوداني المتفاقم، محذرة من أن "الصمت والتقاعس الدبلوماسي يغذيان الفظائع والإفلات من العقاب".
وثائق أممية وتحقيقات عن "شبكات التجنيد والسلاح"
تستند تحركات المنظمة الحقوقية إلى معطيات استقصائية وتقرير صدر عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان التابعة للأمم المتحدة أواخر أغسطس ومطلع سبتمبر 2026. وكشف التقرير الأممي عن لعب أفراد وكيانات مرتبطة بالإمارات دوراً محورياً في شبكات تمويل وتجنيد ونقل مقاتلين أجانب، بالإضافة إلى تقديم دعم لوجستي وعسكري استفادت منه "قوات الدعم السريع" المتهَمة بارتكاب انتهاكات واسعة وجرائم ضد الإنسانية في دارفور ومناطق سودانية أخرى.
وتكتسب هذه الاتهامات زَخَماً إضافياً بالاستناد إلى تقرير استقصائي سابق نشرته "هيومن رايتس ووتش" في مايو 2026 تحت عنوان "من بوغوتا إلى الفاشر"؛ كشف بالتفاصيل عن قيام شركة مقرها الإمارات بالتعاقد مع متعهدين عسكريين كولومبيين ونقلهم للقتال في صفوف قوات الدعم السريع في إقليم دارفور، وتحديداً خلال المعارك الضارية في مدينة الفاشر.
ودعت المنظمة برلين والاتحاد الأوروبي إلى فتح تحقيقات موسعة مع الشركات والشخصيات الإماراتية المتورطة، وتفعيل آليات العقوبات المستهدفة، وفرض حظر توريد أسلحة على الإمارات لمنع تسريب العتاد العسكري إلى أطراف الصراع في السودان.
مطالب بحظر الأسلحة وحماية حرية التعبير
ولم تقتصر مطالب المنظمة على الملف السوداني؛ إذ حثت برلين على ممارسة ضغوط مباشرة بشأن الملف الحقوقي الداخلي للإمارات. وجاء في مقدمة المطالبات الدعوة للإفراج الفوري وغير المشروط عن الحقوقي البارز أحمد منصور، والمُعتقل منذ عام 2017، إلى جانب عشرات النشطاء والمُعارضين المحتجزين عقب محاكمات وصفها التقرير بـ "المُجحفة وغير العادلة".
وأكدت المنظمة أن الشراكة الإستراتيجية لا ينبغي أن تكون "شيكاً على بياض" يتغاضى عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
النفي الإماراتي ودعوة لحظر شامل للسلاح
في المقابل، تجدد أبوظبي نفيها القاطع لهذه الاتهامات؛ حيث أكدت بعثة دولة الإمارات لدى الأمم المتحدة في جنيف عبر بيان رسمي صادر في 3-4 سبتمبر 2026 أن الإمارات "ليست طرفاً في النزاع المسلح بالسودان، ولم تقدم أسلحة أو عتاداً عسكرياً لأي طرف منذ اندلاع الحرب".
وأوضحت البعثة الإماراتية في بيانها التفصيلي الآتي:
رفض التسليح:
نفي تقديم الدعم المباشر أو غير المباشر لـ "قوات الدعم السريع" أو غيرها، والتأكيد على التزام الدولة بقواعد القانون الدولي.
المطالبة بحظر شامل:
الدعوة إلى توسيع نطاق حظر توريد الأسلحة ليشمل الأراضي السودانية كافة، وليس إقليم دارفور فحسب، للحد من تدفق السلاح لأطراف الصراع كافة.
الدعم الإنساني والسياسي:
التأكيد على دعم جهود أوقاف إطلاق النار والهدن الإنسانية، والتعاون الشفاف مع بعثة تقصي الحقائق الأممية لدعم مسار سياسي مدني شامل.
الشراكة الاقتصادية ومأزق "الواقعية السياسية" في برلين
تأتي زيارة بن زايد إلى برلين في وقت تتطلع فيه ألمانيا إلى توثيق علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع دول الخليج. وتستعد ألمانيا والإمارات لإعلان اتفاقيات استثمارية كبرى في مجالات الطاقة والمناخ، وتشمل تعزيز واردات الغاز الطبيعي المسال، ومشاريع الهيدروجين الأخضر، والشراكات التكنولوجية.
وتواجه إدارة المستشار فريدريش ميرتس اختباراً دبلوماسياً دقيقاً بين متطلبات "الواقعية السياسية" (Realpolitik) للحفاظ على المصالح الإستراتيجية واستقرار إمدادات الطاقة، وبين "السياسة الخارجية القائمة على القيم" التي تعلنها برلين والاتحاد الأوروبي.
ويرى مراقبون أن تحركات المنظمات الحقوقية تضع برلين تحت المجهر؛ إذ سيكون على القيادة الألمانية تحديد ما إذا كانت ستكتفي بتمرير الملفات الاقتصادية، أم ستفتح ملف الدعم العسكري لشركاء الصراع في السودان للتأكيد على التزامها بالعدالة الدولية وتجنب التواطؤ الضمني في الفظائع العابرة للحدود.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك