من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

من التقريب إلى القطيعة: حين تتحول النقاشات المذهبية من ساحة "العلم" إلى أروقة "السياسة"

خالد بيومي
من التقريب إلى القطيعة: حين تتحول النقاشات المذهبية من ساحة





​تطرح التحولات المتسارعة في الخطاب الديني المعاصر تساؤلات ملحة حول طبيعة السجالات المذهبية، ومدى استقلاليتها عن التجاذبات السياسية. ويشكل المسار الفكري للشيخ يوسف القرضاوي نموذجًا دالاً على هذه الديناميكية؛ فبين كتابه الصادر عام 2004 الداعي إلى التقريب بين السنة والشيعة، وكتابه المتأخر في نقد الإمامية، تتجلى مساحة زمنية شاسعة لم تكن مجرد سنوات تقويمية، بل كانت حافلة بتقلبات وصراعات إقليمية أعادت تشكيل التحالفات بين القوى المحسوبة على الطرفين.

​إن المقارنة بين الخطابين تكشف عن فجوة لا تتعلق بالتطور المعرفي بقدر ما ترتبط بالتكيف السياسي، مما يستدعي إعادة قراءة جذور هذا النزاع والمناهج المعالجة له بعيدًا عن الاستقطاب الطائفي.

​وهم الوصاية على قناعات الأفراد

​في ذروة محاولات التقريب السياسي، كثيراً ما ترددت مقولات تؤطر التفاهم بعبارات من قبيل "لا نريد للسنة أن يتشيعوا ولا للشيعة أن يتسننوا".

ورغم القبول الظاهري لهذه الطروحات في الأوساط السياسية، إلا أنها تعكس تجاوزاً لبنيوية المعتقد الفردي؛ إذ تترسخ قناعات الإنسان بناءً على ما يراه حقاً ودليلاً، وليس استناداً إلى تسويات تفاوضية بين قادة أو رجال دين.

​إن محاولة تحويل العقائد إلى مجرد ملفات يتم التنازل فيها أو الاتفاق على عدم المساس بها تشبه التوافقات السياسية التي تجري على الحدود أو المحاصصات. وفي هذا السياق، تظهر السجالات الفكرية الحرة — حتى تلك التي تبدو في ظاهرها غير منطقية مثل مناظرات المؤمنين بـ "الأرض المسطحة" مقابل القائلين بـ "كرويتها" — قدرًا أكبر من النضج الإجرائي مقارنة بالصفقات السياسية المذهبية؛ كون الأولى تحاول الاعتماد على تقديم حجج وبراهين بدلاً من فرض وصاية تؤطر ما يحق للمرء التفكير فيه أو الانتقال إليه.

​تسييس الخطاب ومرونة الأحكام

​أدى دخول رجال الدين إلى ساحة الهندسة السياسية إلى تشويش الأدوار المفترضة؛ فبدلاً من تقديم المذهب كمعرفة متبوعة بأدلتها العلمية، تحول بعض المعبرين عن المذاهب إلى ممارسين للتحليل والتحاور السياسي، حيث تتغير حدة الأحكام ولغتها صعوداً وهبوطاً وفقاً لبوصلة المصلحة لا الحقيقة المعرفية.

​هذا التذبذب في المواقف يُظهر أن جزءاً غير يسير من الخطاب المذهبي المعاصر لم يعد يصدر عن دراسات علمية رصينة، بل عن ردود أفعال تفرضها تحالفات اللحظة. وعندما يرتدي المؤسس أو العالم عباءة المحلل السياسي، فإنه يعيد تكييف مذهبه ومذهب خصمه وفقاً لمتطلبات المرحلة، مما يفقد الخطاب مصداقيته العلمية ويحوله إلى أداة لممارسة النفوذ وقيادة الجماهير عبر العاطفة.

​المنهج التاريخي في مواجهة التضليل

​يمتد الخلاف المذهبي لقرون طويلة، وهو جزء أصيل من التراث المكتوب والتاريخ الإسلامي، مما يجعل ادعاء أي شخصية معاصرة بأنها البوابة الوحيدة لفهمه أو حسمه نوعاً من التبسيط غير العلمي. إن الوظيفة الأساسية للباحثين تتجلى في تفكيك هذا التراث ومراجعته وفق منهج يراعي التحول التاريخي وتطور المقالات عبر العصور.

​وعلى سبيل المثال، فإن رصد تشكل بعض المفاهيم والمقالات الكبرى في القرن الثالث الهجري يُسقط الادعاءات التي تُحيل هذه المفاهيم بكامل حمولتها إلى القرن الأول الهجري وكأنها نصوص موجزة استقرت دفعة واحدة دون حركة أو تأثر بالواقع الاجتماعي والسياسي آنذاك.

​إن البحث التاريخي النظدي يظل الوسيلة الأهم لفهم الواقع الحالي، القائم في تشكلاته القومية والطائفية على رواسب الخلافات القديمة. وبدون هذا المنهج، يستمر التضليل القائم على استدعاء النصوص والأحداث التاريخية وتغييبها وفقاً للرغبة السياسية، بدلاً من تقديم قراءة علمية تضع الأشياء في نصابها الصحيح.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11010
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.