سور الأزبكية.. ذاكرة القاهرة الثقافية وملاذ "عشاق الكتب" يحارب غلاء الأسعار
من «بسطات» الأربعينيات إلى ثورة التطوير الحضاري.. رحلة أعرق سوق للكتب في العالم العربي بين أزقة التاريخ ورؤية التحديث
في كل مرة تشتعل فيها أسعار المطبوعات والكتب الحديثة، يتجه البوصلة تلقائياً نحو العتبة في قلب القاهرة، حيث يربض «سور الأزبكية» كصرح ثقافي واقتصادي متجدد. لم يكن السور يوماً مجرد سوق لتداول الكتب القديمة والمستعملة، بل تحول عبر العقود إلى ملاذ آمن للباحثين والطلاب والمثقفين لاقتناء نتاجات الفكر الإنساني بأسعار في متناول الجميع.
صدفة تاريخية وصناعة الذاكرة
تعود النواة الأولى لسوق سور الأزبكية إلى أربعينيات القرن الماضي، حين بدأت الفكرة بـ«صدفة» فرضتها جغرافيا العاصمة؛ إذ بدأ باعة الكتب الجائلون في اتخاذ السور الحديدي المحيط بـ«حديقة الأزبكية» الشهيرة مكاناً لعرض بضاعتهم على المارة.

ومع مرور الوقت، تحول هذا الممشى إلى ملتقى لكبار قامات الفكر والأدب في مصر والعالم العربي؛ حيث كان أدباء بحجم طه حسين، ونقيب المظلومين نجيب محفوظ، وأمل دنقل، ويوسف إدريس، يترددون بانتظام على السور تنقيباً عن الطبعات الأولى النادرة والكتب المترجمة التي يندر وجودها في المكتبات التجارية.
نجيب محفوظ كان من رواد سور الأزبكية
سنوات التحدي.. من مشروع المترو إلى أحداث 2011
مر السور عبر تاريخه بانتكاسات ومحطات انتقالية حارجة؛ كانت الأولى في تسعينيات القرن الماضي بالتزامن مع أعمال إنشاء الخط الثالث لمترو الأنفاق وتنفيذ مشروع تطوير منطقة العتبة، مما اضطر الدولة لنقل الباعة موقتاً وإعادة تنظيمهم.

وجاءت الضربة الأشد عقب أحداث يناير 2011، حيث عانى السوق من إهمال جسيم وانتشار للعشوائيات وتعديات العشوائيين، مما دفع الكثير من أصحاب المكتبات التاريخية إلى إغلاق منافذهم أو الهجرة إلى مناطق أخرى بحثاً عن الزبائن، ليفقد المكان جزءاً كبيراً من رونقه وتنظيمه العقدي.
خطة التطوير الحضاري.. عودة الروح للقاهرة الخديوية
في إطار المشروع القومي لتطوير «القاهرة الخديوية»، أولت الحكومة المصرية اهتماماً كبيراً لإعادة هيكلة سوق الأزبكية برؤية تراثية وعصرية في آن واحد. ولم تقتصر الخطة على الجانب الخدمي، بل شملت:
توحيد النسق المعماري: تصميم أكشاك ومكتبات خشبية جديدة ذات طابع معماري يتماشى مع الهوية التراثية لوسط البلد.
أسعار الكتب رمزية
التنظيم الرقمي والترخيص: إخضاع السوق للتنظيم الإداري وحصر أصحاب المكتبات الشرعيين لضمان استقرار العمل وتوفير الحماية القانونية لهم.
الربط مع المعارض الدولية: تخصيص جناح سنوي منتظم لتجار سور الأزبكية ضمن فعاليات «معرض القاهرة الدولي للكتاب»، لضمان وصول خدماتهم للجمهور العريض بأسعار مخفضة.

أكشاك الكتب في العتبة
ملاذ دائم بوجه موجات الغلاء
اليوم، وبعد اكتمال أعمال التطوير وتكامل السوق مع مشروع افتتاح حديقة الأزبكية التراثية، يستعيد سور الأزبكية بريقه التاريخي؛ ليظل شرياناً حيوياً للثقافة الفكرية، وعلامة مسجلة في هوية وسط القاهرة. فهو ليس مجرد أرفف تضم أوراقاً صفراء، بل تجربة إنسانية وثقافية تؤكد أن المعرفة حرة ومتاحة للجميع مهما بلغت التحديات الاقتصادية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك