بين ناقدين عبد القادر الرباعي ومحمد مشبال
ما يلفت النظر في تجربتي الناقد الأردني عبد القادر الرباعي والناقد المغربي محمد مشبال أنهما يمثلان مسارين بارزين في النقد والبلاغة العربية الحديثة؛ فقد جمع كلاهما بين التدريس الجامعي والبحث والتأليف والممارسة النقدية.
كانت بداية مشروع الرباعي من أطروحته للدكتوراه في كلية الآداب بجامعة القاهرة بعنوان "الصورة الفنية عند أبي تمام" سنة 1976، ثم نُشرت سنة 1980، وتكرر نشرها بعد ذلك. ثم جاء كتابه "الصورة الفنية في شعر زهير بن أبي سلمى» سنة 1984 ثم "الصورة الفنية في النقد الشعري" سنة 1984، و "جماليات المعنى الشعري: التشكيل والتأويل" الذي صدر في طبعته الأولى سنة 1998، ودرس فيه الرباعي نصوصًا لأبي تمام والبحتري ومحمود درويش وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي، مركزًا على تشكل المعنى في النص الشعري.
ثم ما لبث أن اتجه مشروعه إلى فضاء أوسع من تحليل الصورة المفردة؛ ففي كتابه "جماليات الخطاب في النقد الثقافي: رؤية جدلية جديدة» " 2015، انتقل اهتمامه (كما يبدو من عنوانه) إلى الخطاب والثقافة والنقد الثقافي. ثم صدر له "بلاغة الصورة: التكوين الفني إطارًا "سنة 2022، ثم "بلاغة العصر: البلاغة التكوينية، نهج النقد الثقافي" سنة 2025، وأخيرًا "بلاغة النص: نماذج من أبي تمام – من الصورة إلى البلاغة؟ بلاغة العصر، البلاغة التكوينية، إضاءات" سنة 2026.
والبلاغة التكوينية ليست نظرية بل هي أقرب إلى مفهوم، أو تصور، أو توجه نقدي، يقصد بها تلك البلاغة التي تسهم في تكوين رؤية الإنسان للعالم، وهويته، وقيمه، وعلاقاته داخل الثقافة. ووصف الرباعي هذه البلاغة بأنها بلاغة معاصرة تتصل بالنقد الثقافي، وبكيفية تكوين الخطاب للوعي الإنساني والاجتماعي. ويرتبط عنده بمفهوم Constitutive Rhetoric، الذي كان جيمس بويد وايت، أستاذ القانون واللغة الإنكليزية بجامعة ميشغان أبرز من قال به عام 1984.
أما مشروع محمد مشبال فمختلف بعض الشيء عن الرباعي، وكان من أعماله المبكرة "مقولات بلاغية في تحليل الشعر" 1993، ثم ترجم بمشاركة رضوان العيادي كتاب"الصورة في الرواية " لستيفن أولمان سنة 1995، ثم أصدر "بلاغة النادرة" 1997، و"أسرار النقد الأدبي" 2002م.
ثم جاءت المرحلة، التي تبلور فيها مشروعه البلاغي المعاصر عندما اتجه إلى بناء بلاغة رحبة أو موسعة، قادرة على الإفادة من الأسلوبية والتداوليات والسرديات والسيميائيات ونظريات الحجاج، كما تجلت في كتبه: " البلاغة والسرد: جدل الحجاج والتصوير في أخبار الجاحظ"، و"البلاغة والأدب: من صور اللغة إلى صور الخطاب"، والكتابان صدرا سنة 2010، ثم "خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ" سنة 2015، و"في بلاغة الحجاج: نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطاب"، الذي صدرت طبعته الأولى في 2017م.
من الواضح أن مشروعي الناقدين الرباعي ومشبار، يمكن فهمهما من خلال الوقوف على مجموعة من القضايا، التي اشترك الاثنان في تناولها، مع تباين الرؤية النقدية لكل منهما والقضايا هي:
أولا: البلاغة القديمة.
ثانياً : مفهوم الصورة.
ثالثًا: الحجاج والخطاب.
أولًا : البلاغة القديمة
يلتقي الرباعي ومشبال في أن البلاغة العربية لا ينبغي حصرها في التصنيف التقليدي: التشبيه والاستعارة والكناية والمحسنات البديعية، لكنهما يختلفان في طريقة تجاوز هذه التصنيفات؛ فعند الرباعي أن البلاغة القديمة والصورة البلاغية يمكن تجاوزهما إلى مفهوم أوسع هو الصورة الفنية؛ فالصورة لديه ليست تشبيهًا أو استعارة منفردة فحسب، بل أيضًا يمكن أن تدخل في تشكيل أوسع ينتظم التجربة الشعرية كلها؛ ولهذا ينتقل من دراسة الصورة بوصفها عنصرًا بلاغيًا إلى دراستها بوصفها طريقة في بناء الرؤية الشعرية والمعنى.
أما مشبال فينتقد تحول البلاغة في بعض مراحل تلقيها وتعليمها إلى معرفة تجزيئية تقف عند الصور والأساليب في النص بعيدًا عن وظيفتها وسياقها. ويرى أن البلاغة القديمة ضيقت مفهوم الصورة، وتحولت إلى بلاغة تصنيفية ومدرسية جامدة؛ لذلك لا يجب حصر البلاغة على الأشكال والصور بل الانخراط في "بلاغة أدبية" منفتحة على الأسلوبية والشعرية وأنواع الخطابات.
ثانيًا: مفهوم الصورة
لعل الصورة من أهم القضايا التي عالجتها تجربة كلا الناقدين؛ فالصورة عند الرباعي تمثل النواة المؤسسة لمشروعه. ففيما كتبه عن الصورة عند أبي تمام وزهير، وما كتبه عن “الصورة في النقد الشعري” و"بلاغة الصورة"، كان يبحث عن الكيفية التي يحوّل بها الخيال اللغة إلى تشكيل فني، قادر على إنتاج معنى؛ فالصورة عند الرباعي مدخل إلى فهم الشعر نفسه.
أما الصورة عند مشبال فمع أن بعض دراساته بدأت من الصورة والشعر والسرد؛ فإن مشروعه اللاحق لا يقوم على الصورة وحدها؛ فهي في نظره لا تكفي لبناء بلاغة معاصرة. وفي كتابه "البلاغة والأدب" يذكر أن ما يميز المقاربة البلاغية هو النظر إلى النص من زاوية تأثيره في المتلقي؛ أي إن البلاغة تتحرك في العلاقة بين النص والمتلقي، وتسأل عن التأثير جماليًا وتداوليًا.
ثالثًا: الحجاج والخطاب
تبدو قضية الحجاج ليست مركزية في مشروع الرباعي النقدي، كما هي عليه عند مشبال. ففي كتابه "جماليات المعنى الشعري: التشكيل والتأويل"، لا يهتم كثيرًا بالحجاج والخطاب، وقدم دراسات تطبيقية في تشكل المعنى عند البحتري وأبي تمام وفي الشعر المعاصر، أما في مشروعه المتأخر فصارت البلاغة التكوينية عنده معنية بقوة بـالخطاب والجمهور والهوية والثقافة.
أما مشبال فيقول بوضوح في كتابه "في بلاغة الحجاج: نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطاب": إن البلاغة الحديثة لم تعد منشغلة ببنية اللغة وحدها، وإنما بوظيفتها وبالآثار التي تحدثها في المتلقي، ولذلك نستطيع تطبيق البلاغة لا على الشعر فقط، بل على الخطاب السياسي والديني والقضائي والإشهاري والسردي وغيرها. وهو يصرح بأن البلاغة تستطيع استيعاب الخطاب التداولي والخطاب التخييلي معًا، وهو يعود إلى التصور الأرسطي للبلاغة، ولا سيما العناصر الثلاثة أو وسائل الاقناع التي وردت في كتابه "الخطابة" وهي :
Ethos الإيتوس: صورة المتكلم ومصداقيته.
Logos اللوغوس: الحجج وبناء القول.
athos P الباتوس: التأثير في انفعالات المتلقي.
خاتمة
تكشف المقابلة بين تجربتي عبد القادر الرباعي ومحمد مشبال عن مسارين مهمين في تحديث النقد والبلاغة العربية. فقد انطلق الرباعي أساسًا من الصورة الفنية في الشعر، وسعى إلى تحريرها من معناها البلاغي الجزئي؛ لتصبح بناءً جماليًا ودلاليًا قادرًا على تنظيم التجربة وتكوين المعنى. ثم تطور مشروعه من جماليات الصورة والمعنى إلى النص والنقد الثقافي، ووصل في مرحلته الحديثة إلى البلاغة التكوينية، التي تبحث في قدرة الخطاب على تكوين الثقافة والهوية والوعي.
أما مشبال، فقد انتقل من الصورة، والتراث البلاغي، والنص الأدبي إلى مشروع أوسع في البلاغة الرحبة، وبلاغة الخطاب والحجاج، حيث لا تعود البلاغة مجرد دراسة للصورة أو البنية، بل تصبح معرفة بكيفيات التأثير في المتلقي وبناء الحجة، وقادرة على تحليل الخطابات الأدبية وغير الأدبية.
من هنا فإن ما يجمع الناقدين هو الرغبة في إخراج البلاغة من ضيق التصنيف المدرسي، إلى رحابة النص والخطاب والثقافة، أما ما يفرقهما فهو الطريق الذي اختاره كل منهما لتحقيق ذلك. فالرباعي تحرك، في جانب أساسي من مشروعه، من الصورة إلى التكوين بجعله تطويرًا لها أي الصورة . ومشبال تحرك من الصورة إلى الخطاب والحجاج
لعل قراءة التجربتين معًا بالغة الأهمية للباحث في البلاغة والنقد الأدبي؛ لأنها تكشف أن البلاغة المعاصرة لم تعد علمًا للمحسنات والصور وحدها، بل أصبحت أيضًا علمًا للتشكيل والتأثير والحجاج والخطاب والتكوين الثقافي. كما أن قراءتهما معًا تمنح الباحث تصورًا أكثر اكتمالًا عن تطور البلاغة والنقد العربي الحديثين.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك