من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

*الفصل الثالث* ..*بين قلبين... وعالمين*

بقلم- عادل التوني
*الفصل الثالث* ..*بين قلبين... وعالمين*


- نانسي: 

وسافرت إلى القاهرة أستاذنا؟

- لا .. فقد حدث ما لا أتوقعه!

- خير يا أستاذ؟

تلقيت مساء أمس اتصالًا من أحد الأرقام التي سبق أن زودتني بها ليدي.

كان المتحدث بصوتٍ نسائي، وقال:

«معك مكتب المحاماة، والأستاذ سيتواصل معك صباحًا»

ثم أُنهيت المكالمة مباشرة.

نانسي:

غريب جدًا، أستاذ.

أتعتقد أنه والد ليديا؟ حضرتك ذكرت من قبل أنه محامٍ كبير.

في صباح اليوم التالي، رن هاتفي.

كان صوتها يحمل تلك الحيوية التي بدأت أعتادها.

  - صباح الخير.

- صباح النور.

  - عامل إيه؟

- الحمد لله... وإنتِ؟ 

ساد صمتٌ قصير، ثم سألت:

أين أنت؟

ما زلت أُحضّر فطوري، وقد جهّزت حقيبتي استعدادًا للسفر بعد قليل.

إذن، أنت مصمّم على السفر إلى القاهرة؟

نعم، مصمّم، إلا إذا كان لديكِ رأيٌ آخر.

توقفت لحظة، ثم قالت بنبرة مختلفة:

بالأمس، بعد أن أوصلتني بالقرب من منزلي، هل تلقيت اتصالًا؟

نعم، بالفعل. كان الاتصال من أحد الأرقام التي سبق أن زوّدتِني بها.

سألتها باستغراب.

ما الأمر؟

........

نانسي:

بالفعل، الأمر يدعو إلى القلق، أستاذي.

- نعم نانسي، أعرف ليديا... معرفةً تجاوزت حدود الصداقة، رغم أن الأيام التي جمعتنا كانت قليلة.. لا أكثر ولا أقل.

- وماذا كان الأمر؟

ليديا:

- مغامرة مختلفة... هتعرف بابا.

- بابا؟

ساد الصمت للحظات

قلت مترددًا:

بالفعل كنت سأتعرف عليه.

لكن لم أتوقع ذلك بهذه السرعة.

  - وهو... يعرف عني – وماذا يعرف؟

- يعرف إن فيه شاب محترم قابلته في المؤتمر، وإنه نفسه يشوفه.

حاولت أن أقرأ ما وراء كلماتها 

تساءلت بيني وبين نفسي:

هل هي مجرد زيارة عابرة؟

أم زيارة تعارف لا أكثر؟

أم أنها كانت خطوةً محسوبة، أرادت بها أن تضع أول حجر في طريقٍ طويل؟

أم أن وراء تلك الزيارة ما لم أفهمه إلا متأخرًا؟

قضيت ساعات في حيرة.

بدلت قميصي أكثر من مرة. 

هممت أن أشترى علبة شوكولاتة فاخرة وباقة صغيرة من الزهور، ثم شعرت أن الزهور قد تُفهم بطريقة خاطئة، فاكتفيت بالشوكولاتة.

وعندما وصلت إلى عنوان منزلها في أحد الأحياء الراقية في الإسكندرية، بجوار محطة ترام، كان قلبي يخفق أسرع من خطواتي.

المنزل قديم، لكنه أنيق.

شرفته المطلة على الشارع امتلأت بأصص الريحان والياسمين، وعلى الباب لوحة نحاسية كتب عليها.

المستشار: منير ماهر.

تنفستُ بعمق، ثم رفعت يدي وضغطت جرس الباب.

مرّت ثوانٍ قليلة... لكنها بدت أطول مما ينبغي.

انفتح الباب.

كانت ليديا.

رأيتها من قبل مراتٍ كثيرة، لكنني في تلك اللحظة شعرت وكأنني أراها للمرة الأولى،

كانت ترتدي فستانًا أزرق بسيطًا، بلون السماء حين يهدأ النهار، وقد تركت شعرها ينسدل بحرية فوق كتفيها، فينعكس عليه ضوء الصباح برقة. 

لم تكن متكلفة في زينتها، ومع ذلك بدت كأنها خرجت لتوها من لوحةٍ هادئة لا يكتمل جمالها إلا بالصمت.

توقفت الكلمات على شفتي.

وتذكرت نزار:

فإذا وقفتُ أمامَ حسنكِ صامتًا

فالصمتُ في حَرَمِ الجمالِ جمالُ.

لم أعرف أأنظر إلى عينيها أم إلى ابتسامتها التي سبقتها ، أم إلى ذلك الحضور الهادئ الذي ملأ المكان دفعةً واحدة.

وقبل أن أستعيد اتزاني، سبقني إليَّ عطرها... رقيقًا، أنثويًا، لا يفرض نفسه، بل ينساب في الهواء كنسمةٍ تحمل عبير الياسمين بعد مطرٍ خفيف. 

كان عطرًا يليق بها؛ هادئًا في حضوره، عميقًا في أثره، يترك في القلب ما تعجز الكلمات عن وصفه.

بدت وكأنها قرأت ارتباكي قبل أن أنطق بحرف.

ابتسمت... ابتسامةً دافئة، خجولة وواثقة في آنٍ واحد، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ زمن.

- أتفضل .. 

لا أعرف كم مرة قالتها؟

- واضح إنك داخل امتحان.

"ضحكت بتوتر".

- أصعب.

همست وهي تفسح لي الطريق:

- متقلقش... بابا أطيب مما تتخيل.

"وهذا... ما زاد قلقي"

........

نانسي ضاحكة:

أعتذر، أستاذي... لكنك كنت في موقفٍ لا تُحسد عليه.

ابتسمت وقلت:

بل كنتُ فعلًا في موقفٍ لا يُحسد عليه.

........

المدخل يوحي بعراقة الزمن؛ أقرب إلى ردهة ديرٍ قديم أو قصرٍ احتفظ بروحه عبر السنين. 

ساد المكان هدوء مهيب، وكأن الجدران تحفظ حكاياتٍ لا تُروى.

تقدّمت إلى صالونٍ فسيح، تتصدره مكتبة ضخمة تمتد على طول الجدار، تزدحم برفوفٍ عامرة بالكتب، حتى بدا المكان أقرب إلى مكتبة خاصة منه إلى غرفة استقبال.

وفي منتصف الغرفة جلس رجل في أوائل الستينيات. 

وقف بمجرد أن رآني.

كان طويل القامة، وقور الملامح، يرتدي نظارة رفيعة، ويغلب الشيب على شعره

مد يده مصافحًا.

  - أهلًا يا أستاذ.

- أهلا بحضرتك.

- تشرفت بمعرفتك.

- الشرف لي يافندم.

صافحني بحرارة لم أتوقعها 

ثم أشار إلى المقعد المقابل 

- اقعد، ليديا حكت لي عنك.

نظرت إلى ليديا باستغراب 

ابتسمت في دهاء

حكيت لي شوية .. ومش كتير 

بدأ الحديث عن المؤتمر، ثم انتقل إلى الأدب.

كان الرجل واسع الثقافة بصورة مدهشة.

يتحدث عن نجيب محفوظ كما يتحدث عن دوستويفسكي، وينتقل من طه حسين إلى شكسبير بسهولة من يحكي عن أصدقاء قدامى.


سألني فجأة:

- ليه بتحب الكتابة؟

توقعت سؤالًا آخر تمامًا. 

ظننت أنه سيقول:

لماذا تحب ابنتي ليديا؟

التفتُ إليها على الفور، فوجدت وجنتيها قد احمرّتا هي الأخرى، وكأنها كانت تتوقع السؤال نفسه.

تمالكت نفسي وأجبته:

- لأنها الطريقة الوحيدة اللي بعرف أفهم بيها نفسي.

"ظل ينظر إليّ ثوانٍ"

فتلك الإجابة على لسان ليديا دائمًا.

ثم ابتسم.

- إجابة صادقة... وأنا أحب الناس الصادقة.

شعرت بشيء من الارتياح، كدت أصارحه بأهم شيء لأكون صادقًا حقًا.

للأسف..

دخلت الخادمة تحمل صينية القهوة.

جلست ليديا إلى جوار والدها.

كانت تراقب الحوار أكثر مما تشارك فيه.

وفجأة سألني الأستاذ منير:

  - بتحب الإسكندرية؟

- كانت تلك أول زيارة لي إلى الإسكندرية... ولكن من ذا الذي لا يقع في حبها؟ 

لقد أحببتها حقًا منذ اللحظة الأولى.

  - ولا بدأت تحب سبب وجودك فيها؟

احمرّ وجه ليديا.

أما أنا فلم أجد جوابًا.

انفجر الرجل ضاحكًا.

  - متخافش... بهزر.

ضحكنا جميعًا، وانكسر حاجز آخر بيننا.

شكرتُ الأستاذ منير على ذلك اللقاء الممتع، وتمنيت له موفور الصحة ودوام العافية، ثم هممتُ بالانصراف.

حاول الوقوف هو الآخر، ونهض بصعوبة، لكنه أصرّ على أن يودعني بنفسه. 

صافحني بابتسامة هادئة، ثم قال:

أي شيء تحتاجه... حتى لو كنت في القاهرة، لا تتردد في الاتصال بي.

كانت كلماتُه بسيطة، لكنها حملت صدقًا ودفئًا لا يُشترى..

استأذنت ليديا والدها. 

  سأُوصل ضيفنا أولًا، ثم أذهب لقضاء بعض المشتريات.

فابتسم وأومأ إليها بالموافقة.

وقبل أن نخرج، قال لها مبتسمًا:

إن كان في طريقك، فلا تتركيه يعود وحده... أوصليه، ما دامت سيارته ليست معه.

إلى اللقاء.

............

نانسي.

حضرتك... ليه ما قلت كل اللي حصل؟

ابتسمت وقلت:

أولًا: لم أكن أتوقع أن تسير الأمور بهذه السرعة.

ثانيًا: ليديا أخبرتني أنها مجرد جلسة تعارف.

ثالثًا: قالت إن والدها يعرف عني كل شيء، فلم أشعر أن هناك ما يستدعي الشرح

نانسي:

" أتفضل كمل .. أستاذي".

............

خرجنا نسير بمحاذاة البحر.

لاحظت أن ليديا صامتة.

سألتها:

  - مالك؟

قالت وهي تنظر إلى الأمواج:

  - بابا عجبك؟

- جدًا.

- أنا كنت خايفة.

  - من إيه؟

- خايفة متفهموش... أو ميحبكش.

- توقفت عن السير، نظرت إليها.

  - بابا بالنسبة لك إيه؟

لم تجب مباشرة

ثم قالت بصوتٍ خافت:

كل عيلتي.


نظر إليها طويلًا ثم قال:

مادام والدك هو كل عيلتك... ليه ما قلتيش الحقيقة كاملة قبل ما نتعرف؟

أطرقت برأسها وهمست:

- خُفت.

- من إيه؟ ده شيء يتخبّى؟

- خفت لما يعرف الحقيقة... أخسرك

- ولو ما قلتيش الحقيقة، هنخسر بعض طول العمر. 

البداية لازم تكون صادقة.

ليتني قلتها أنا.

قالت بعد تردد:

هقوله... لكن في الوقت المناسب. 

- والدك فاكر إني عندي عربية، ومن عيلة ثرية... وأنا مش كده. 

مع ذلك، لسه ما يعرفش أهم حقيقة عني.

رفعت عينيها، ثم قالت بحسم:

- حاضر، أترك الموضوع ليّ. 

سأقول الحقيقة، مهما كانت النتيجة.

فهمت وقتها لماذا كانت تخاف عليه بهذا القدر.. حبها له .. مرضه الشديد .. مكانته في مجتمعه المهني، والديني.

جلسنا على أحد المقاعد المطلة على البحر. 

كان الموج يتحرك بهدوء، بينما ظلت هي صامتة للحظات، ثم قالت بتنهدٍ خافت، وكأنها تُخرج كلماتٍ ظلت حبيسة سنوات:

ماما ماتت وأنا عندي خمس عشرة سنة.

"كنت أعرف هذه المعلومة من قبل، لكنني في تلك اللحظة فقط أدركت حجم الألم الذي تركه رحيلها في قلبها"

ظلت تنظر إلى الأفق، ولمعت في عينيها دمعة جانبية قاومت السقوط، ثم قالت:

- من يومها، بابا بقى أمي، وأهلي، وصاحبي. بقى كل حاجة في حياتي، إلا الحبيب. الحبيب القريب، البعيد.

سكتت قليلًا، ثم أضافت بصوت يكاد لا يُسمع:

علشان كده، مستحيل أزعّله.

نظرت إليها في صمت. 

كانت تلك أول مرة أرى خلف ابتسامتها الدائمة حزنًا قديمًا، هادئًا، لا يراه أحد.

وقبل أن نفترق، التفتت إليّ فجأة وقالت:

- تعرف؟

- إيه؟

- لو الزمن وقف النهارده، مش هزعل.

ليه؟

قالت وهي تراقب الموج:

لأن فيه أيام، الإنسان يحس إنه عاش عمره كله فيها. 

والنهارده، كان واحد من الأيام دي.

لم أكن أعرف وقتها أن القدر كان يسمع حديثها. 

وكان يبتسم في صمت.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11040
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.